عبدالله اوجلان حول الاقتصاد-7

الفصل الرابع

 الرأسمالية ليست اقتصاد بل هي عدوة الاقتصاد

 ب- الرأسمالية سلطة، لا اقتصاد.

تُشَكِّلُ أوروبا وآسيا وأفريقيا ثلاثَ قاراتٍ متحدة. ومن أهمِّ تحديداتِ الأنثروبولوجيا أنّ أفريقيا كانت في وضعيةِ الريادةِ خلال مغامراتِ البشريةِ حتى العصرِ الجليدي الأخير. وتَبَدَّلَت الجغرافيا الرائدةُ فيما بعد، لِتَتَحَقَّقَ الثورةُ النيوليتية في الحوافِّ الخصيبةِ المُنبِتةِ والجذابة لسلسلةِ جبالِ زاغروس – طوروس. ومن 15000 ق.م حتى 4000 ق.م، أنتَجَت سفوحُ تلك الجبالِ كلِّ ما يَلزَمُ مِن الثقافاتِ الماديةِ والمعنوية، لِبِدءِ المرحلةِ التي سوف تُصبِحُ مدنيةً فيما بعد. سيَكُونُ صحيحاً لو نَعَتْنا الثورةَ النيوليتيةَ بالثورةِ التاريخيةِ الكبرى. فنهرا دجلة والفرات لَم يَقتَصِرا على ترسيبِ الأراضي المعطاءِ من تلك الجبالِ وحوافِّها إلى دلتا الخليج ، بل ونَقَلا وحَمَلا نفسَيهِما وكلَّ قِيَمِهِما الثقافيةِ مع أُولى صناعاتِ السفن. في الحقيقة، كانت مدينتا أريدو وأوروك قد جَمَعَتا قِيَمَ هذه المسيرةِ القاهرةِ العسيرةِ في تركيبةٍ جديدةٍ، عندما بَدَأتا بِأُولى مغامراتِهما الحضارية. كان التعاظمُ والاتساعُ يستمران من ضفافِ النهرَين المقدسَين إلى مصبِّهما في المحيط، متواصلَين متكاثفَين، تماماً كجريانِ نهرٍ دَفّاق.

أوروك ليست ثقافةً إنسانيةً بسيطة، بل هي بدايةُ معجزةٍ جديدة. إذ لا يزال صوتُ إينانا، مَلِكَةِ أوروك، يُشَكِّلُ المنبعَ العينَ لجميعِ الملاحمِ والأشعار والأغاني. وهذا الصوتُ هو صوتُ تلك الثقافةِ الرائعةِ الخلابة. وهو في الوقتِ نفسِه صوتُ المرأةِ التي لم يُدَنِّسها الرجلُ القبيحُ بعد. لقد أَزهَرَت ثقافةُ أوروك وأَينَعَت في أراضيها، فتَكاثَرَت المدنُ على التوالي كالتيهور ، لِيَتَشَكَّلَ حزامٌ طويلٌ من المدن. وفي هذه المرة، رأى الرجلُ القويُّ الماكرُ منبعَ الثروةِ الأصلي في الإمكاناتِ التجاريةِ المتناميةِ في المدينة. وابتدأَ جريانٌ ثقافيٌّ معاكسٌ امتدَّ حتى سفوحِ الجبال. إنها بدايةُ مسارِ الشروعِ بقَرضِ وابتلاعِ الجغرافيا النيوليتيةِ من طرفِ المدينة. وغدا صوتُ إينانا المكبوتُ تدريجياً صوتَ المرأةِ المفتقدةِ لتأثيرها. وصارَ صوتُ الرجلِ القوي الماكرِ صاخباً جَهوراً. لا داعيَ هنا لسردِ المغامرةِ الجغرافيةِ للحضارةِ المرتكِزَةِ إلى القوة. ولكن، سيَكُونُ مِن الأفضلِ كتابتُها. سنكتفي هنا بالقول على الصعيدِ الرمزي بأنها سالَت كالنهرِ الأم، وقَطَعَت آلافَ الكيلومترات مُتَخَطِّيَةً الشواطئَ والأراضيَ الوَعِرة، لِتُخَلِّفَ وراءَها في نهايةِ المطافِ ثقافةً جديدةً على تُخومِ أمستردام ولندن، وتَصُبَّ في المحيطِ الأطلسي. واضحٌ جلياً أنّ هاتَين المدينتَين رادَتا حركةَ إظهارِ الاقتصادِ الرأسمالي المعاصرِ وقوميتِه على مسرحِ التاريخ، بالانتهالِ من الثقافاتِ الماديةِ والمعنوية البارزةِ على مَرِّ جميعِ العصورِ ومن شتى الأراضي. وكِلتا المدينتَين كانتا آخِرَ محطةٍ وَصَلَتهما الثقافةُ النيوليتية. لا نَفتأُ نلاحظُ مثلَ النوعِ التالي من العلاقةِ بين الجغرافيا والثقافة: مِن العسيرِ جداً تَكَوُّنُ ثقافةٍ جديدةٍ في الأماكنِ التي تَتَجَذَّرُ فيها الثقافةُ القديمة. فالثقافةُ القديمةُ لا تَقبَلُ الجديدَ بسهولة، بل تدافعُ عن نفسها؛ وهو أمرٌ مفهوم. تُعتَبَر أوروبا الشماليةُ ووَطَنا إنكلترا وهولندا اللذان في أقاصيها (مصطلح الوطنِ المُعَرَّفِ وفق الحدودِ الوطنية يَبرُزُ حديثاً في هذه المرحلة) أراضيَ عذراءَ من حيث خُلُوِّها من الحضاراتِ القديمة. وبسببِ هذه الخاصية، فهي تُشَكِّلُ الساحةَ التي ستنبت فيها أيةُ بذرةٍ جديدةٍ بِمُجردِ غرسِها، ذلك أنّ فُرصَتَها كبيرةٌ في توطيدِ جذورِها واستمرار بقائها.

لقد زُرِعَت بذرةُ الاقتصادِ الرأسمالي فنَبَتَت جيداً. إنها الإرثُ الأخيرُ لثقافةِ أوروك المنقولةِ من شاطئٍ إلى آخر. وحامِلو هذا الإرثِ هُمُ التجارُ دوماً. يُقال أنّ التجارَ من أفضلِ الناس الذين يُحَدَّسون ويستشعرون المناطقَ ذات الربح الوفير. أُرَكِّزُ بأهميةٍ بالغةٍ على أنّ وضعَ المناطقِ الهامشيةِ الخارجةِ عن آفاقِ بُؤَرِ القوة، وإمكانياتِ الطرقِ الطويلةِ قد أَفسَحَ الطريقَ لِتَجَلَّي الحظِّ على نحوٍ إيجابي. فقد دَعَم هؤلاء التجار حظَّهم الرياديَّ بالتربعِ والاستيلاء على جميعِ المكتشفاتِ الرأسماليةِ في المدنِ الإيطالية، والقرصنةِ على الطرقِ الجغرافيةِ التي اكتَشَفَها الأسطول الإسباني – البرتغالي. ما فَعَلوه كان عمليةَ صهرٍ إلى لُغتِهم. وبينما حالت الحربُ الداخليةُ الدائرةُ فيما بين القوى الأوروبية العظمى دونَ الأخطارِ المحتَمَلة من الخارج، فقد كان المردودُ المؤكَّد للاقتصادِ الجديدِ في الداخل (اليد العاملة الرخيصة والمواد الخام) كافياً لإنجاحِ ولادتِه وتَوَطُّدِه في هذه الأراضي في نهاياتِ القرنِ السادسِ عشر.

وبالتحالفِ الذي أَسَّسَته هاتان القوتان، اللتان لا تتميزان عن بعضهما سوى ببضعةِ فوارقَ شكلية، انتَقَلَتا إلى منزلةِ تمثيلِ الاقتصادِ الجديدِ على الصعيدِ العالمي. إنّ حداثةَ عهدِ الاقتصادِ قد حَفَّزَت الدولةَ أيضاً على تحديثِ ذاتها، ودَفَعَتها للاتجاه نحوَ شكلِ الدولةِ المعطاءِ الناجحة. كما أنّ التفوقَ الاقتصاديَّ سَاهَمَ في تحقيقِ التفوقِ السياسيِّ والعسكري أيضاً. ولأولِ مرةٍ تَشتَرِكُ احتكاراتُ التجارِ مع احتكارِ الدولة (شركتا الهند الغربية والشرقية )، لِيَظفروا بقوةٍ شِبهِ رسمية. ولأولِ مرةٍ فإنّ مغتصبي الحضارةِ المُستَتِرِين والمحافظين على بقائهم في الأقاصي وفي الأروقةِ المعتمةِ يصبحُون الأسيادَ المُحَصَّنين بشرعيةٍ لا جدالَ عليها.

هل الاقتصادُ الرأسماليُّ وشكلُ المجتمعِ ضرورةٌ اجتماعيةٌ – تاريخيةٌ اضطرارية؟ وكَرَدٍّ عليه، إنني على قناعة بأنها ليست بضرورةٍ اجتماعيةٍ تاريخيةٍ اضطرارية. إلى جانب ذلك أنني لا أرى الرأسماليةَ شكلاً للمجتمع، مثلما لا أَعتَبِرُها شكلاً اقتصادياً بحتاً.

لِنعملْ أَوَّلاً على رؤيةِ العلاقةِ المسماةِ بالاقتصادِ الرأسمالي ضمن نطاقٍ متكاملٍ للمجتمعِ المديني. من الضروريِّ استيعاب كونِ الاقتصادِ الرأسمالي، أي التبضع المسمى باقتصادِ التبادلِ، يعتمد على مكاسبِ احتكاراتٍ متربعةٍ وجاثمةٍ على علاقاتِ السوقِ والمنافَسة، ومتأسسةٍ بمقتضى التلاعبِ بالأسعارِ أساساً، وبالاستفادةِ من فارق الأسعارِ بين مختلَفِ المناطق. في الحقيقة، وبموجبِ هذا التعريف، علينا الإدراك جيداً أنه ما مِن قطاعٍ يخلق قِيمةَ المقايضة، بل هو معنيٌّ بنسبةٍ ضئيلةٍ جداً وجزئية من الحياة الاقتصادية العامة، إلا أنها نسبةٌ مُعَيِّنةٌ نَظَراً لِمَنزِلَتِها الاستراتيجية. إنه محصلةُ مجموعِ القيمةِ التبادليةِ المتراكمةِ بكمياتٍ طائلةٍ في قبضةِ حفنةٍ ضئيلةٍ جداً من الشخصيات. وبالتالي، فهو متفوقٌ استراتيجياً في التلاعبِ بالعَرضِ والطلبِ على السواء. علينا ألا نغفلَ عن أنّ هذا التفوقَ لَم يَكُن موجوداً في الدولِ حتى تلك الأيام. والغريبُ في الأمرِ هو نمطُ نشوءِ هذا التفوق واستخدامِه. إننا نَعِي ولادتَه ونشوءَه إلى حَدٍّ ما، في حين أنّ استخدامَه أكثرُ جذباً للأنظار، وأكثرُ تَسَبُّباً في الانقلاباتِ الاجتماعية، بسببِ ارتكازِه إلى التضخمِ المستمرِّ لرأسِ المال. من هنا، فإنّ نعتَ ذلك بالثوريةِ إنما يتكافأُ وخيانةَ المجتمع، وبالأخصِّ المجتمعِ التاريخي – الديمقراطي!

لذا نجدُ أنه ليس حتى حلقةً لا مناصَّ منها ضمن سياقِ التطورِ الحضاري. ذلك أنّ مجموعةً من عناصرِ التجارِ المُضارِبين الكبار، والتي تكمن في تَصَدُّعاتِ المدنياتِ القديمةِ والمناطقِ الهامشيةِ، وتُؤَمِّن مكاسبَها عبر ألاعيبِ المالِ على حسابِ السوقِ وبالتضادِّ معه، وتجني نصيبَها بما فيه الكفاية – بل ويَزيد- من طرقِ التجارةِ البعيدةِ ومن نهبِ وسلبِ المستعمَرات؛ تلك المجموعةُ استفادت بشكلٍ مذهل من فرصةِ التأثيرِ المتحدِ لآلافِ المؤثراتِ بمحضِ الصدفة، لتبسطَ نفوذَها على أوروبا عبر مدينتَين واهنتَين، ثم على العالَم بِرِمَّتِه.

كلُّ البحوثِ الجاريةِ تَدُلُّ على أنّ هذه المجموعةَ المُضارِبةَ متعصبةٌ لأبعدِ الحدود، وأنها تفتقرُ لأيِّ فكرٍ بَنَّاءٍ أو اختراعٍ خَلاَّق. والعملُ الذي تَمَرَّسَته هو اكتسابُ المالِ عن طريقِ المال، فقط لا غير. والمجالُ الاجتماعي الوحيدُ الذي بَرَعَت فيه بِدَهاءٍ هو جنيُ المالِ من أوساطِ الشُّحِّ وأجواءِ الحروب، واكتسابُ المزيدِ من الأموالِ مِن خلالِ فارقِ الأسعارِ الدائرةِ في عمومِ العالَمِ بِنَهَمٍ لا يَشبَع. والخاصيةُ الغريبةُ الأخرى لأوروبا في مستهلِّ القرنِ السادسِ عشر تَجَسَّدَت في بلوغِ المالِ مستوى القوةِ القادرةِ على الهيمنةِ على كلِّ شيء. لقد صارَ المالُ الحاكِمَ والقائدَ الحقيقيَّ في الميدان. فمَن لديه المال، لديه القوة. لا ريبَ في أنّ العامِلَ الأساسيَّ في ذلك هو التبضعُ والتسوقُ والتمدنُ بدرجةٍ مدهشة.

لَم يَكُ لأيِّ قوةٍ سلطويةٍ آسيويةٍ قديمة، أو أيِّ سلطانٍ أو إمبراطورٍ فيها، ولا حتى لأيِّ إمبراطورٍ في روما هَمٌّ أو غَمٌّ مِن قَبِيلِ الاغتناءِ بِجَنيِ الأموالِ كثمرةٍ من ثمارِ التبضع، أو إدارةِ شؤونِ السلطةِ عن طريقِ المال. وإنْ وُجِد، فهو في نطاقٍ جِدِّ محدود، رغم أنهم – هم أيضاً – نَقَلوا ما في خزائنِ العالَمِ إلى قصورِهم وسراياهم منذ أمدٍ بعيد. في حين، عندما ظَفرَ القطاعُ الرأسماليُّ بالنصرِ تِلوَ الآخَر، كان مُلوكُ أوروبا في وضعٍ يَتَوَسَّلون فيه الاستدانة. لقد كانت مرحلةً مغايرةً بالنسبةِ إلى قوةِ المالِ – السلطة. فلأولِ مرةٍ كانت السلطةُ السياسيةُ تَركَعُ خاشعةً أمامَ المال. وما هذا الواقعُ سوى برهانٌ قاطعٌ على تَعَزُّزِ المالِ لدرجةِ استلامِه زمامَ القيادةِ ودَفَّتَها. وقد كان نابليون يُصَرِّحُ بهذه الحقيقةِ عندما قالَ بشأنِ الجيش: “المالُ! ثم المالُ! ثم المال!”.

إنّ رَجَحانَ كفةِ عامِلِ المالِ في أساسِ التجديدِ الحاصلِ في تاريخِ المدنيةِ العالمية (وليس تاريخَ العالَمِ المناهِضِ للمدنية!)، يُفضي إلى التجديدِ في المدنيةِ أيضاً. إلا أنه لا يَقطَعُ أيةَ مسافةٍ في التغيرِ الجذري على صعيدِ نوعيتِه الأساسية، علماً بأنّ الحضارةَ لا تَتَعَرَّفُ حديثاً إلى المالِ، السوقِ، المدينةِ، والتجارةِ، ولا حتى إلى البنوكِ والسندات. فجميعُها وسائلٌ مختَرَعةٌ منذ آلافِ السنين.

إنه موضوعٌ سَعَيتُ للتذكيرِ به في كلِّ الأوقات: لماذا سَقَطَت قوةٌ مثلُ المرأةِ في وضعٍ بائسٍ يائسٍ لهذه الدرجة، ولماذا حُكِمَ عليها بالذلِّ والخنوعِ في قبضةِ الرجلِ الذي لا يتميزُ كثيراً بالإنتاجِ والإبداع؟ والجوابُ – بالطبع – هو دورُ العنف. ومع انتزاعِ الاقتصادِ من يدها، يُصبحُ الأسرُ المروِّعُ أمراً لا مَهربَ منه. فقد أُخرِجَت المرأةُ من كونِها ذاتَها لدرجةِ رضاها بسلوكِ أَحَطِّ وأدنى مستوياتِ الفنِّ الزوجي على مدى أربعين سنة، حتى تجاه صبيٍّ آمِرٍ عنها. في حين أنّ مَلَكيةَ الرجلِ القويِّ أفظعُ وأنكى.

إني على قناعةٍ بالفائدةِ الكبرى في مقايسةِ ذاك المثالِ مع قوةِ النفوذِ التي يكتسبُها المالُ – باعتباره رأسَمال – على المجتمع. في الحقيقة، إنَّ تَحَلِّيَ المالِ بقدرةِ القيادةِ والسيادةِ اعترافٌ صريحٌ بخروجِه من كونِهِ حَدَثاً اقتصادياً. والمؤرخُ المتمرسُ فرناند بروديل يشيرُ إلى حقيقةٍ قَيِّمَةٍ لدى قولِه بِكَونِ الرأسماليةِ مضادةً للسوق، وبالتالي مضادةً للاقتصاد، بل وحتى أنها خارجَ نطاقِ الاقتصاد. ولِكَونِهِ ابتَدَأَ بالاقتصادِ مِن ظاهرةِ التبادلِ والسوق، فإنّ حُكمَه هذا يَحظى بِقِيمةٍ عظمى. لقد كان رأياً طالما رغبتُ في التعبيرِ عنه: لا علاقةَ للاقتصادِ مع الرأسماليةِ التي تُقحِمُ كلَّ شيءٍ ضمن إطارِه، بل وهي العدوُّ اللدودُ للاقتصاد. أؤكد بإصرار: الرأسماليةُ ليست اقتصاداً، بل هي العدوُّ اللدودُ للاقتصاد. سوف أتناولُ ذلك بإسهابٍ في الفصولِ القادمة. هل التمويلُ اقتصاد؟ هل التمويلُ العالمي اقتصاد؟ هل الكوارثُ والفواجعُ البيئيةُ اقتصاد؟ هل البطالةُ قضيةٌ اقتصادية؟ هل البنوكُ، السنداتُ، سعرُ المبادلة والصرف، والربا اقتصاد؟ هل استفحالُ إنتاجِ السلعِ كالسرطانِ في سبيلِ الربحِ اقتصاد؟ وتَطُولُ لائحةُ الأسئلة. الجوابُ الوحيدُ الذي يُمكِنُ بِهِ الردُّ على جميعِها هو مفردةٌ عملاقةٌ مِن كلا. المعادلةُ هي كالتالي: المالُ ورأسُ المالِ ذريعة = السلطةُ روعة! فمِن خلالِ الحِيَلِ والدسائسِ التي لا تنضب للمالِ ورأسِ المال، لَم يَتَأَسَّسْ شكلٌ اقتصاديٌّ جديد، ولا شكلُ المجتمعِ الرأسمالي، ولا حتى شكلُ المدنيةِ المسماةِ بالمدنيةِ الرأسمالية. ثمة في الميدانِ ألعوبةُ الاستيلاءِ على المجتمعِ بما لَم يَشهَد التاريخُ له نظيراً في أيةِ مرحلةٍ من مراحله. إنه ليس استيلاءً على القوةِ الاقتصاديةِ فحسب، بل استيلاءٌ على قوةِ جميعِ الميادينِ السياسيةِ، العسكرية، الدينيةِ، الأخلاقية، العلميةِ، الفلسفية، الفنيةِ، التاريخيةِ، وعلى شتى الثقافاتِ الماديةِ والمعنوية. الرأسماليةُ أكثر أشكالِ السلطةِ والهيمنة تطوراً. لِنُلْقِ نظرةً خاطفةً على القرونِ الأربعةِ الأخيرةِ من تاريخِ البشرية، والمسماةِ بعصرِ الرأسمالية. فهل ثمة خليةٌ واحدةٌ أو نسيجٌ واحدٌ في المجتمعِ ولَم يُقحَمْ تحت نِيرِ الهيمنة، أو لَم تَتَأَسَّسْ عليه السلطةُ حتى أَدَقِّ أوردتِه الشعرية؟

إنّ التفكيرَ بعدمِ كونِ الرأسمالية اقتصاداً هو تفكيرٌ تتمخض عنه نتائجٌ بارزةٌ تماثل ما لِكِتابِ ماركس “رأس المال” بأقلِّ تقدير. وعليَّ التنويه مسبقاً إلى أنّ الفكرَ الذي أسعى لإيضاحه هنا لا علاقة له باختزالية السلطة. فضلاً عن أني لا أقبل توجيهَ النقد لي بالفكر الذي يربط الرأسماليةَ بالدولة باعتبارها اقتصاداً. إني أتحدث عن تَكَوُّنِ قوةٍ وزمرةٍ (ثلة) سياسيةٍ تسيطر على الاقتصاد، والتي تم اصطلاحها على نحو: الرأسمالية، الرأسمالي، والاقتصاد الرأسمالي. فلأولِ مرةٍ غدت هذه القوةُ ذاتَ شأنٍ وتأثيرٍ داخل أوروبا في القرن السادس عشر، وصارت نفوذاً سياسياً أساسياً في بلَدَي هولندا وإنكلترا بتلك الاصطلاحات بالذات. واستخدامُها الاقتصادَ ليس مؤشراً على أنها اقتصادية. بالمستطاع القولُ أنّ فرناند بروديل هو أولُ عالِمِ اجتماعٍ ومؤرخٍ قديرٍ انتبه لهذه الحقيقة، ولكنه عَجِزَ عن تنسيقِ فكرته. ورغم إدراكه مدى تخريبها لكلِّ مُسَلَّماتِ الفكر الأوروبي برمته، لكنه عجز أيضاً عن تبيان ذلك كفايةً. وربما بقي قاصراً عن تطويرِ فكره في هذا المنحى، إلا أنه يقول علانيةً أنّ الرأسماليةَ ضد السوق، وأنها نهبٌ وسلبٌ احتكاري، وقوةٌ مفروضةٌ من الخارج. حينئذ، يجب التساؤل: ما هو ذاك الشيء الذي يفرض نفسه من الخارج، والمضاد للسوق، وليس اقتصاداً؟ الجواب على هذا السؤال ناقصٌ وضحلٌ للغاية. هل هو قوةٌ سياسية، أم دينٌ، أم مدرسةٌ فكرية؟

سيكون من المفيد أكثر فحص التطور الميداني للفكر النظري والبحث فيه ضمن ميادينِ العلاقات التي يتشعب داخلها. لنبدأْ بمثالنا بالبحث والتمحيص من خلالِ البندقية. حيث ثمة مجموعةٌ ضخمةٌ من التجار في البندقية في القرن الثالث عشر. لكن هذه المجموعة تهيمن على إدارةِ شؤونِ المدينة في الوقت نفسه، وتُصارِع أندادَها ومنافسيها. كما تمتلك أساطيلَ بحرية. أي أنه ثمة مدينةٌ بندقيةٌ عسكريةٌ أيضاً. علاوةً على أنها تدافع عن النهضة وتحميها أيضاً، وتتسم بإحكامِ سيطرتها على الاقتصاد والمجتمع. من هنا، من اليسير التبيان بأنّ كلَّ هذه العلاقات متداخلةٌ مع بعضها، وأنّ المالَ يؤدي دورَ الصمغ اللاصق لها. إذن، أيُّ مصطلحٍ يستطيع الردَّ على تكاملِ هذه العلاقات؟ وكجوانب يمكن إيضاحها: تتم مراقبة الاقتصاد، وتسريب قسمٍ هامٍّ من فائضِ القيمة بوساطةِ المجموعة المسماة بكِبار التجار. ولهذا الغرض، فهي تُحكِم قبضتها على الزمرة السياسية ذاتها أو على آليات الرقابة لديها، وتستخدم قوة جيشها عندما يستدعي الأمرُ اللجوءَ إلى العنف.

إذا ما دققنا بإمعان، سنجد أنّ المجموعةَ نفسها تتمتع بحِراكٍ شاملٍ على وجهِ التقريب. فحتى لو تغيرت بعضُ الأسماء داخلَ المجموعة، فإنه ثمة مجموعةٌ مُحدِّدةٌ ومؤثرةٌ على صعيد مدينة البندقية على الأقل. لِنَقُمْ مرةً أخرى بِتَعريفِ هذه المجموعة. إنها احتكارُ التجار، الدولة، الجيش، والبيروقراطية. وهي حاميةُ مجاميعِ الكنيسةِ والفنون التي في الصدارة. هذه المجموعةُ التي تتجاوز نطاقَ الدولة، وتفرض ذاتَها على الاقتصاد كاحتكارٍ خارجي رغم أنها ليست اقتصادية، والتي تُحكِم نفوذَها وهيمنتَها على المجتمع بما يتخطى الدولةَ نفسها؛ إذا ما نعتنا هذه المجموعة بكثافةِ السلطة، أو أسميناها بالسلطةِ ذاتها، فسيكون تفسيراً له نصيبه الوافر من الصحة. ولو كانت مجموعتنا تلك حاكمةً ومؤثرةً على جميعِ أرجاءِ إيطاليا، لَكُنّا سنسميها بالسلطة القومية. ولو أنها انتشرت بين صفوفِ جميعِ شرائحِ المجتمع، لَكُنّا سنسميها بالدولة القومية. ولو أنها استولت على اقتصادِ البلدِ برمته، لَكُنّا سوف نسميها بالسلطة الاقتصادية. ولو أنها بَسَطَت منزلتَها على جميعِ أصقاعِ أوروبا، ومنها على كافةِ أرجاءِ المعمورة، لَكُنّا سنقول عنها أنها الإمبراطوريةُ الأوروبيةُ والعالمية.

لِنتمعن الآن في جغرافيةِ هولندا وإنكلترا الحالية خلال القرن السادس عشر، تأسيساً على هذه الفرضيات والاحتمالات. الحَدَثُ المُعَيِّن هنا هو تضييقُ الخناقِ عليهما على يدِ المَملَكَتَين الفرنسية والإسبانية. فكِلتاهما تتطلعان إلى الإعلانِ عن نفسَيهما كإمبراطورية، وتسعيان لتحويلِ كلٍّ من إنكلترا وهولندا إلى مقاطعاتٍ تابعةٍ لها. في حين أنّ المَلِكَ والأميرَ في كِلا البلدَين (إنكلترا وهولندا) يَجهَدان للحفاظِ على استقلالهما السياسي وتعزيزه. بالتالي، فهما بأمَسِّ الحاجة للقوة، لأنّ ابتلاعهما مسألةٌ لحظيةٌ في حالِ العكس. أما القوة التي يحتاجونها، فهي سياسيةٌ وعسكريةٌ وماليةٌ وفكرية. ولهذا فَهُم يَدعُون المفكرين والفنانين. إنّ ديكارت وسبينوزا وأراسموس موجودون هناك. والصرافون اليهود يتدفقون إلى هناك كأصحابِ أموالٍ ومستثمِرين. ويتم تعبيد الأرضية لجيشٍ جديد. إنه جيشٌ محترف، متدرب، منضبط، ويمتلك التقنياتِ الحديثة. وهم يُولون الأهميةَ للحرية في سبيلِ التضامنِ والتكافل والدعم الاجتماعي لهم، ويتغلبون على النزاعات السياسية الداخلية. والأهم من كلِّ ذلك، أنهم يُؤَمِّنون مهارةً وكفاءةً اقتصاديةً معطاءةً على الصعيد الأوروبي. ولو فكرنا بمجموعِ كلِّ هذه العوامل والمؤثرات، سنجد أنّ هولندا وإنكلترا تحميان نفسَيهما بقوةٍ تجاه منافسيهما. بل وتَبلغان فرصةَ بسطِ هيمنتهما أيضاً في نهاياتِ ذاك القرن. وسيَقبَل كلُّ المُطَّلِعين على الأمر – قليلاً كان أو كثيراً – بأنّ هذا هو المسارُ العام للتطورات في الواقع العملي.

إذن، والحال هذه، لِنُكَرِّر سؤالَنا مجدداً. أيُّ اسمٍ نعطيه لشبكةِ العلاقات المتداخلة والمترابطة تلك؟ بأيِّ نظامٍ علينا تعريفها؟ هل طبقةٌ اقتصاديةٌ جديدةٌ مبدعةٌ هي التي أَنجَزَت كلَّ هذه التطورات؟ ثمة في الميدان اقتصادٌ جُعِلَ معطاءً، فمَن هم مُوجِدوه؟ إنهم الآلافُ من شتى أنواعِ المِهَنِيين، الفلاحين، العمال، صِغار التجار، أصحاب الدكاكين والمَتاجِر، والأسواق والأموال والسندات التي تُسَرِّع من حِراكها وتداولها. والأهم من كلِّ ذلك، أنّ هذا العطاءَ الاقتصادي يُضَخِّم فائضَ القيمة. فمَن الذي ينال حصةَ الأسد؟ إنهم، بطبيعةِ الحال، المسيطرون على الاقتصاد بوساطةِ المال والقوة السياسية والعسكرية. ذلك أنه لا بيعَ من دونِ مال. وإنْ غابَ المال، تَوَقَّفَ الإنتاج. ومن دون الجيش والقوة السياسية يحصل الاحتلال، وحينها ينخفض الإنتاج. إذن، المحدِّد هنا، بالإضافة إلى المالِ ومشتقاته، هو البلوغُ بالاقتصاد إلى مستوى السيطرة، وبالمقابل، الاستمرارُ في تلك المراقبة الصارمة في سبيلِ نهبِ وسلبِ فائضِ القيمة المتعاظمة. من المحتمل أنهم الشرائحُ التي تَكُونُ على علاقةٍ كثيبةٍ مع الفئات السياسية والعسكرية. الاحتمالُ الراجحُ هنا هو أنّ الأميرَ والمَلِكَ يَقُودان الجيش، وبالتالي، فهما بحاجةٍ ماسّةٍ إلى المال. وهذا ما معناه أنهما، إما ينتميان لنفسِ مجموعةِ جامِعي فائضِ القيمة، أو على علاقةٍ وثيقةٍ بهم. وفي تلك الأثناء، فهم يُوَطِّدون العُرى بينهم عن طريقِ الحركاتِ الفنية والفكرية. كما أنَّ تعريفَهم ووصفَهم في أوروبا بالملوك والأمراء المهتمين بالحرية يتوافق مع مصالحهم. إنهم لا يتخلفون عن دعمِ ومؤازرةِ حركاتِ المعارضة بين صفوفِ منافسيهم. لنتساءل مرةً أخرى؛ كيف يمكننا اصطلاحَ هذا الحراكِ الشامل؟ فإذا ما أسميناها اقتصاداً، نجد أنه لا يوجد حتى شخصٌ واحدٌ ينشغل بالاقتصاد الحقيقي. إنهم المستولون على فائضِ القيمة. مَن هم هؤلاء؟ هم الذين يَفرضون أنفسَهم على الاقتصاد من الخارج. هم المُسَرِّعون من وتيرةِ دَوَرانِ المال – القيمة بغرض تضخيمِ المال. وهم الذين ينقلون المالَ إلى الدولة على شكلِ دُيون، ليكونوا – ربما – شركاء في الدولة مقابل ذلك.

نلاحظ إذن أنّ ما نسميه بالرأسمالية والرأسمالي والاقتصاد الرأسمالي، هم المراقبون للاقتصاد بشكلٍ غيرِ مباشر، ولكنهم لا يأخذون أماكنهم فيه أساساً. فبماذا ينشغل هؤلاء أساساً؟ إنهم معنيون باحتكارِ السلطة. أي، يُوَحِّدون احتكاراتِهم الاقتصاديةَ مع احتكاراتِ السلطة. كما أنهم يحاربون، لأنّ قواهم تتضاعف داخلَ البلد عندما ينتصرون في الحرب. وهذا ما معناه المزيدَ من فائضِ القيمة. أما حين انتصارهم في حروبهم مع الخارج، فهذا يعني الكَسبَ الاستعماري وبسطَ الهيمنة. وهذا بدوره يعني النهبَ والسلبَ الاحتكاري.

وإذا ما عَمَّمنا وبَسَطنا مثالَ إنكلترا وهولندا على الزمان والمكان، ستكتَسِب التطوراتُ الحاصلةُ مزيداً من الشفافيةِ والوضوح. فهما تستغلان تحالفَهما لتأمينِ الهيمنة في أوروبا أولاً. حيث تَحَطَّم نيرُ عبوديةِ وظلمِ الإمبراطوريةِ الإسبانية مع حلولِ نهاياتِ القرن السادس عشر، ولَحِقَت ضربةٌ مميتةٌ بآمالها في أنْ تَكُونَ إمبراطوريةً على صعيد أوروبا. كما تَكَبَّدَت المونارشيةُ الفرنسية أيضاً هزيمةً نكراءَ في نهاياتِ القرن السابع عشر، ونالت آمالُها في الهيمنة على أوروبا طعنةً ساحقة. لقد عَمِدَتا أيضاً (إنكلترا وهولندا) لمساندةِ ومؤازرةِ بروسيا الألمانية ضد النمسا، لتُلحِقَا مع حليفتِهما (أسرةِ هابسبورغ) الضربةَ القاضيةَ بخيالاتها في تأسيسِ إمبراطوريةٍ على الصعيد الأوروبي. ومع حرب الثلاثين عاماً الأخيرة من ذاك القرن، يَكُون قد طُوِيَ عهدُ الحروبِ الدينية، لِتَقُوما بإرساءِ أرضيةِ النظام المعتمدِ على توازنِ الدول القومية الموافقةِ لنهجهما في عام 1649 تأسيساً على معاهدة واستيفاليا . وقد كان رَدُّ فرنسا على ذلك بثورةِ عام 1789، لِتَنتهيَ بِفقدانِ الهيمنةِ الاستراتيجيةِ مجسدةً في شخصِ نابليون. وفي تلك الأثناء كانتا قد ظفرتا في حروبهما الاستعمارية، لِتَدخُلا القرنَ التاسع عشر بالثورة الصناعية. لقد حَسَمَت الثورةُ الصناعية أمرَ الهيمنة الإنكليزية، لِتَشُقَّ طريقها نحو الإمبراطورية العالمية. أما العملاقُ الألماني المتمثلُ في بروسيا، والمستيقظُ من سباته متأخراً، فبعدما أحرزَ النصرَ على فرنسا عام 1870، دخلَ الحربَين العالميتَين بهدفِ بسطِ هيمنتِه على أوروبا والعالَم، ولكنه خرج منهما متكبداً هزيمةً ساحقة. في حين خرجت الولايات المتحدة الأمريكية من الحربَين العالميتَين بمكاسبها بكونها إنكلترا ثانية، لِتَصِيرَ قوةً عالميةً جديدةً مهيمنةً منذ الحربِ العالمية الثانية. وبينما كانت إمبراطوريةُ روسيا السوفييتية تتطلع لتكرارِ دورِ ألمانيا، فقد هُزِمَت في حربِ الهيمنة والنفوذ. وباتَ ثمة أمريكا تراهِن على الإمبراطورية العالمية، بحيث تهرع لعرقلةِ انهيارها وإطالةِ عمرها عن طريقِ نوعٍ من الحرب الدفاعية.

هذا هو المنحى الأساس للسلطة. فنهرُ السلطة المنبثقُ من مدينةِ أوروك، احتضنَ في ثناياه آلافَ الجداول والروافد الفرعية المتدفقة، ليصبَّ في المحيط ويضيعَ في مياهه بالقرب من مدينةِ نيويورك الأمريكية. ويتم التفكير الآن باحتمالِ أنْ يَعرُجَ النهرُ على شواطئِ محيطِ الصين، وتجري صياغة هذه الفرضية. إلا أنّ احتمالَ وصوله إلى هناك أقلُّ من احتمالِ عدمِ وصوله. في حين يرجح احتمالُ انهيارِ وانحلالِ المجتمع المديني. فالقضايا الاجتماعيةُ والبيئوية المتفاقمة والعالقة على الصعيد العالمي، حثَّت المجتمعاتِ الديمقراطيةَ على البدءِ بالفاعلية، وإنشاءِ مدنياتها هي، كإحدى الاحتمالاتِ الأولية البارزة. أي أنه، وبدلاً من عبادةِ الإمبراطورية المتبقية من أنظمةِ الدول القديمة، تَرجح فرصةُ مقدرةِ الاتحاداتِ الكونفدرالية للديمقراطيات في التغلب على القضايا الكونية القائمة.

تُصاغُ هذه الفرضيات في سبيلِ مَوضَعَةِ الرأسمالية في مكانها المناسب. إنه أمرٌ أَشبَه ما يَكُونُ بجولةِ الآفاق. فبعدَ أنْ يُخَلِّفَ النهرُ الأمُّ للحضارة دوامةً عميقةً مكانَ محطته في إنكلترا وهولندا، سيستمر في تدفقه وسَيَلانه، مُكتَسِباً سرعةً ولوناً جديدَين. يمكن التبيان علناً أنّ المتقطعات المنصبةَ في النهر الأم بالتزامن مع حصولِ الدوامة، ستُضفي عليه سرعةً ولوناً جديدَين في تدفقها اللاحق. إنّ صناعةَ الدولة الكلاسيكية بشكلها كدولةٍ قومية، وبِمَعِيّةِ أعظمِ ثورةٍ اقتصاديةٍ بعدَ الثورةِ النيوليتية؛ تُشَكِّلان النهريَن الدفاقَين بغزارةٍ قصوى. هذان المؤثران هما اللذان سرَّعا من وتيرةِ الحضارة الكلاسيكية، وأضفَيا عليها لونَها.

مرةً أخرى يدخلُ جدولَ الأعمال السؤالُ الذي أطرحه دائماً: أين هي الرأسمالية؟ وأين هي الرأسمالية من الدولة القومية والصناعة؟ أطرح هذَين السؤالَين من حيث المضمون الاقتصادي. فرغم بحثي الدءوب عن الجواب، لكني أكرر بأني أعجز عن العثور عليها ضمن الاقتصاد.

قد يُواجَه قولي هذا بغرابةٍ وتعجب؛ فرغمَ كلِّ مساعي الاحتلالِ والاستعمارِ والاستغلال، تبقى المرأةُ الصاحبَ الحقيقي للاقتصاد. فإذا كنا نود تقييمَ الاقتصاد على نحوٍ قَيِّمٍ سوسيولوجياً، فالموقفُ الأصح هو القول بكَونِ المرأة هي القوة الأساسية، ما دامت تَحمِلُ الجنينَ وتغذيه في بطنها، وتعتني بتنشئته ومأكله بعد مخاضاتِ الولادة الشاقة، إلى أنْ تَجعَلَه في حالٍ يقدر فيها على الوقوفِ على رِجلَيه؛ وما دامت المرأةُ أيضاً هي المِهَنِية في مأكلِ المنزل. إنّ جوابي ردٌّ سوسيولوجي أكثرُ تقديراً للحقيقة، مع أخذِ روابطه البيولوجيةِ بعينِ الاعتبار بكلِّ تأكيد. علماً بأنّ المرأةَ لا تزال القوةَ المحركةَ للعجلات في العديد من ميادينِ الحياة الاقتصادية، وليس فقط داخل المنزل، نظراً لدورها في الثورة الزراعية، وقطفها وتجميعها الثمارَ على مدى ملايين السنين. وقد شَخَّصَ اليونانيون الأصليون، أصحابُ الشرف في إرساءِ أرضيةِ العلوم، هذه الحقيقةَ قبل آلافِ السنين، بإطلاقهم تسميةَ قانون البيت أو قانون المرأة على الاقتصاد.

دون شك، يأتي في المرتبة الثانية المندرجون في تصنيفِ العبيد والأقنان والعمال، الذين طالما استغَلَّتهم قوى المدنية، وبَسَطَت عليهم مراقبتَها الصارمة بأساليب مجحفة، بغرضِ نهبِ وسلبِ فائضِ الإنتاج وفائضِ القيمة، كَفَنٍّ أوليٍّ حفِظَته عن ظهرِ قلب. أما في المرتبة الثالثة، فيتواجد الحِرَفِيون وصغار التجار وأصحاب الدكاكين والمَتاجِر والمزارعين مَالكي الأراضي الصغيرة، والذين هم أكثر تمتعاً بالحرية نسبياً. وبإدراجِ أربابِ المِهَنِ الحرة أيضاً إليهم، من قَبِيل الصُّنَّاع والمعماريين والمهندسين والأطباء، نَكُون قد أَتمَمنا اللوحةَ على وجهِ التقريب. وكَون تلك المجموعات أو الطبقات الاجتماعية هي التي تُدَوِّرُ العَجلةَ الاقتصاديةَ على مَرِّ التاريخ، أمرٌ لا يقبل الجدل. مرةً أخرى، لا يوجد بينهم الرأسماليُّ أو السيدُ أو الآغا أو الأفندي. فواضحٌ جلياً أنهم ليسوا قوى اقتصادية، بل هم القوى الاحتكاريةُ المحتلةُ والاستعمارية والاستغلالية والصاهرة، التي تَفرض وتُطَبِّق شتى أنواعِ الاحتلال والاستعمار والاستغلال والصهر الخارجي على الإنسان وكدحه. أي، ليس الرأسماليُّ فقط هو اللااقتصادي المُتسَلِّطُ من الخارج. فإلى جانبِ الرأسمالي باعتباره تاجراً كبيراً وصانعاً وصاحبَ بنك، ثمة السيدُ والأفندي والسياسي والعسكري والمثقفُ المتمدِّن أيضاً، والذين هم ليسوا اقتصاديين، ولكنهم قوى تَفرض نفسها على الاقتصاد من الخارج.

 

يتبع……

التعليقات متوقفه