عبدالله اوجلان حول الاقتصاد -3

الفصل الثالث

الاقتصاد في المدنية الدولتية

 

آ- مكانة الاقتصاد في ولادة المجتمع الهرمي:

يشكل المجتمع الهرمي الحلقة الوسطى بين المجتمع الطبيعي والمجتمع الدولتي المرتكز إلى الطبقات. وتُعتَبَر الماهية الشخصية للسلطة، وانحصار الحاشية العسكرية بالأشخاص، السمة المثلى لهذه المرحلة. في حين يعبِّر تمأسس السلطة عن التحول النوعي.

ومصطلح الهرمية يدل في معناه على أول مثال بارز لمفهوم الإدارة السلطوية المتحدة مع السلطة المقدسة للشامان. ولدى ازدياد تكاثُف تقدُّم هذه المؤسسة السلطوية المتعالية على المجتمع، وتَوَجُّهِها مع الوقت نحو التمايز الطبقي؛ تحولت إلى سلطة الدولة. لكن السلطة الهرمية هنا فردية بالأرجح، حيث أنها لم تتمأسس بعد. لذا فهي لم تكن ذات نفوذ على المجتمع، بقدر ما هي عليه مؤسسة الدولة. والتوافق والانسجام هنا شبه طوعي. ويتحدد مستوى الارتباط وفقاً لمنافع المجتمع. لكن هذه المرحلة المبتدئة قابلة لتوليد الدولة من بين أحشائها. يقاوم المجتمع المشاعي البدائي تجاه هذه المرحلة حقبة طويلة من الزمن.

إنّ تنظيمَ “الرجلِ القوي” لأولِ عنفٍ في عصورِ المجتمعاتِ ما قبلَ المدنية، لَم يقتصرْ على إيقاعِ الحيواناتِ فقط في الفخ. فالتنظيمُ نفسُه هو الذي كان قد طَمعَ في إرثِ العائلةِ – الكلان المتراكمِ كثمرةٍ من ثمارِ الكدحِ العاطفيِّ للمرأة (نور عينَيها). إنه أولُ تنظيمٍ جديٍّ للعنف. وما تَمَّ الاستيلاءُ عليه كان: المرأةَ نفسَها وأطفالَها وأقاربَها، وإرثَهم الماديَّ والمعنوي برمته. بالإضافة إلى نهبِ وسلبِ أولِ اقتصادٍ منزليٍّ ناشئ. وتأسيساً عليه، نجد أنّ تنظيمَ العنف المكوَّنِ من الشامانِ (النموذج الأولي للراهبِ) والشيخِ العجوز صاحبِ التجاربِ والرجلِ القوي، قد أَسَّسَ تحالفاً متضامناً، لِيُشَكِّلَ بذلك أولَ قوةٍ هرميةٍ أبويةٍ بطرياركية (الإدارة المقدسة) وأطولَها عُمراً في التاريخ. ويمكننا مشاهدة ذلك في جميعِ المجتمعات التي تَمُرُّ بمراحلَ مشابهة. واضحٌ جلياً أنّ هذه الهرميةَ قد أدت دوراً مُعَيِّناً في الحياةِ الاجتماعيةِ والاقتصادية، إلى حينِ ظهورِ التمايزِ الطبقي والتمدنِ والتدول. كان النظام الأهلي للمرأة الأم أولَ ضحية للمجتمع الهرمي. ربما تصدرت المرأة قائمة الشرائح المسحوقة في نظام المجتمع. وعدم تواجد تلك الحقبة المعاشة بشكل واسع النطاق فيما قبل التاريخ في العلوم الاجتماعية؛ إنما يتأتى من القيم المترسخة للمجتمع الذكوري المهيمن والمتجذر في الأغوار. يُعَد جَرُّ المرأة إلى المجتمع الهرمي خطوة خطوة، وافتقاده لكافة سماتها المجتمعية الراسخة، الثورةَ المضادة الأهم على الإطلاق، والمطبقة على المجتمع. حتى إذا تمعّنّا في حالة المرأة في عائلة كادحة فقيرة في راهننا، فلن نتمالك أنفسنا من الذهول إزاء أبعاد القمع والخداع المطبَّقين عليها. وما كون جنايات الشرف والعشق حِكْراً على الرجل، وبدوافع تافهة للغاية، سوى مؤشرات وميضة لما يجري حولنا. إن ربط تلك الحقبة بالفوارق البيولوجية سيكون من أهم الأخطاء المقترَفة. إذ لا يمكن أن تكون الأدوار (أو القوانين) البيولوجية سارية المفعول في العلاقات الاجتماعية. ولا يمكن دراسة تلك العلاقات، إلا بموجب العلاقات المتبادلة بين الخصائص الذكورية والأنثوية. وهذا ما ينطبق على كافة الأجناس والأنواع. لقد أُقحِمَت قوة المرأة الأم تحت الهيمنة والتسلط، بدوافع اجتماعية في أساسها. والقمع والأيديولوجيات المطب‍ّقة، إنما هي لهذا الغرض تماماً.

ومع الزمن، يتأجج هذا التناقض، الذي كان باهتاً في البداية. فعندما كشف تطور الصيد عن قوة الرجل القتالية، صعَّد بالمقابل من وعيه ومعرفته. نخص بالذكر هنا الديانة الشامانية* التي تضع هذه الظاهرة أمام أعيننا بشكل ملفت للنظر. والشامانيون (الكهنة) يمثلون بالأرجح نموذجاً مصغراً للرهبان الذكور. وهم يسعون إلى تطوير حركة ونظام أهلي مناهض للنساء، وبشكل منظَّم بدقة. وهكذا يشكلون عبر الشامانية الذكورية نظاماً أهلياً مستقراً تجاه النظام الأهلي المتطور سابقاً حول المرأة الأم النواة؛ بحيث اتسم نظامهم ذاك بشبه الوحشية، يسكنون فيه الأكواخ البسيطة. ويحدث الاتفاق والتحالف بين الشامانيين وبين العجائز وذوي الخبرات والتجارب، كتطور ذي أهمية كبيرة. وتتجذر مكانتهم وتتعزز تدريجياً داخل جماعتهم، عبر القوة الأيديولوجية التي مارسوها وطبقوها على بعض الشبان الذين احتووهم فيما بينهم. يتميز اكتساب الرجل للقوة هنا بماهية ذات أهمية أكبر، حيث تتميز ممارسة الصيد وحماية الكلان تجاه الأخطار الخارجية بماهية عسكرية معتمدة على القتل والجرح (الذبح). إنها بداية ثقافة الحرب. وعندما يغدو الأمر مسألة حياة أو موت، يستلزم حينها ربط الشؤون بالسلطة والهرمية. هكذا يرتقي الشخص الأكفأ والأمهر إلى المنزلة العليا بحديثه ونفوذه. إنها بداية لثقافة مختلفة يتزايد تفوقها تجاه قوة المرأة الأم.

إن الرجل المعزِّز لقواه بممارسة الصيد، والمنظِّم مجموعته في أطرافه، أَدرَج نظام المرأة الأم الأهلي تحت مراقبته رويداً رويداً، بعد أن تنبه لقواه جيداً، وفرضها على من حوله. استمرت هذه المرحلة حتى تأسيس مراكز الدول الأولى. ونرى أروع توضيح لها في مدن الدول السومرية. تشرح اللُّقى واللوحات المدوَّنة هذه الحقيقة بلغة شعرية رائعة وملفتة للأنظار. فملحمة إينانا، إلهة مدينة أوروك، والبادئة في تأسيس مدينة الدولة السومرية؛ ملفتة للأنظار جداً. تتطرق هذه الملحمة، التي تصوِّر تلك الحقبة التي لا تزال فيها قوة المرأة والقوة الأبوية البطرياركية متكافئتين، إلى ذكريات تلك المرحلة المشحونة بالاحتدامات الضارية للغاية. حيث أن ذهاب إينانا، كإلهة لمدينة أوروك، إلى قصر “أنكي”، إله مدينة أريدو، واستحواذها هناك على الـ”ما”ءات التي يبلغ عددها (104)، والتي كانت تمتلكها فيما قبل، وحظْيُها بها بشتى الأساليب والوسائل، لتُهَرِّبها معها إلى أوروك ثانية؛ إنما يلعب دور المفتاح الأساس في تنوير هذه المرحلة وإيضاحها. المقصود هنا بالـ”ما”ءات هو الاكتشافات الحضارية الأساسية. تُصِرُّ إينانا على التذكير بأن هذه الاكتشافات تعود إلى المرأة “الإلهة الأم”، وأنه لا دور لأنكي، الإله الرجل، فيها بتاتاً. وأنه سرقها منها عنوة ومكراً. إن كل محاولات ومساعي إينانا تلك، تمثلت في استعادة قوة الإلهة الأم مجدداً.

لا يمكن رؤية اكتساب العلاقة البطرياركية للقوة بعين الضرورة الحتمية. علاوة على أنها ليست انطلاقة شفافة، وكأنها من دواعي القانون. بل تستلزم هذه العلاقة التركيز عليها بدقة وعناية، باعتبارها تشكل المرحلة الأساسية على الدرب المؤدية إلى التمايز الطبقي والتدوُّل. إن كون العلاقات الملتفة حول المرأة الأم على شكل تعاضد منسق ومنظم، أكثر مما تكون علاقة قوة وسلطة؛ إنما يتطابق مع جوهر المجتمع الطبقي، ويتواءم وإياه. وهي لا تشكل انحرافاً، كما أنها منغلقة إزاء سلطة الدولة. وانطلاقاً من تكوينتها التنسيقية التنظيمية، فهي لا ترى حاجة للجوء إلى العنف أو الرياء. توضح هذه النقطة أيضاً أسباب كون الشامانية ديناً ذكورياً. وإذا ما تفحصنا الشامانية عن كثب، سندرك أنها مهنة يغلب عليها إظهار القوة والتضليل. حيث تُجهَّز القوة والميثولوجيا بدقة حاذقة، بغرض السلطة التي سيتم بسطها بمكر ودهاء على شفافية المجتمع الطبيعي. ويغدو الشامان امرؤً يتجه ليكون راهباً ورجل دين. وتتجه العلاقات مع الأسلاف المسنين إلى تكوين التحالف معهم. ذلك أنها بحاجة ماسة لرجال الصيد الأشداء في سبيل بسط الهيمنة التامة. وتكون المجموعة الأكثر ثقة واعتداداً بقوتها وكفاءاتها هي القابلة للتحول إلى النواة العسكرية الأولى. وتتراكم القيم والمهارات تدريجياً في يد هذا الثلاثي. وتُفرَّغ أطرافُ المرأة الأم رويداً رويداً، بكل مكر ودهاء. ويدخل النظام الأهلي دائرة الرقابة بالتدريج. فبينما كانت المرأة تمثل القوة المؤثرة على الرجل، وصاحبة القول الفصل؛ تندرج بعدئذ – وبالتدريج – تحت نفوذ السلطة الجديدة.

ليس مصادفة أن تُبسَط أول سلطة قوية على المرأة بالذات. فالمرأة قوة المجتمع التنسيقي، والناطقة باسمه. وبدون تجاوزها، سيكون محالاً على البطرياركية إحراز النصر. بل وأبعد من ذلك، لن تنتقل إلى مؤسسة الدولة. لذا، فتخطي قوة المرأة الأم يحظى بأهمية استراتيجية. وبموجب المعطيات والمعلومات التي بين أيدينا، ندرك أن تلك المرحلة شهدت مشقات عصيبة للغاية، تماماً مثلما شوهد في الدلالات والبيِّنات السومرية.

كانت المرأةُ أولَ ضحيةٍ طالَتها يدُ الرجلِ القوي. فمتانةُ أواصرِها مع الحياة جَعَلَ الذكاءَ العاطفي لدى المرأة أرقى. إنها المسؤولةُ الأوليةُ عن تكوينِ الحياةِ الاجتماعية عبرَ كدحِها المجبولِ بالآلامِ والمخاضات كونها أُمُّ الأطفال. وبقدرِ ما تُدرِكُ معنى الحياة، فهي تَعلَمُ جيداً كيف تُحَقِّقُ سيرورتَها. كما أنها جامعةُ الشمل. وخاصيتُها هذه محصلةُ ذكائها العاطفي من جهة، وضرورةٌ تَعَلَّمَتها من الطبيعةِ من جهة أخرى. ويتبين من المعطياتِ الأنثروبولوجية أنّ الزخمَ الاجتماعي قد تَحَقَّقَ وتَرَاكَمَ حولَ المرأةِ – الأم طيلةَ حقبةٍ طويلةٍ من التاريخ، وأنّ المرأةَ – الأم لعبَت دوراً أقرب ما يَكُون إلى نواةِ الغنى والقِيَم النبيلة. ويمكن الجزم بكونها أمّ فائض القِيمَةِ أيضاً. من هنا، فَجَشَعُ الرجلِ الذكرِ القوي – الذي حُدِّدَ دورُه الأساسيُّ بالصيد – بهذا الزخم المتراكم، وطمعُه فيه أمرٌ مفهوم. ولدى بسطِ حاكميته، تَغدو الفرصُ السانحةُ في قبضته. ويتم الانتقالُ إلى مرحلةٍ تصبحُ فيها المرأةُ موضوعاً جنسياً، ويغدو الرجلُ أبَ الأطفال، بل والسيدَ الحاكم، ويمتلك حقَّ التصرفِ بالمدخراتِ الثقافيةِ المادية والمعنوية واستملاكها. إنه أمرٌ مثيرٌ للمطامع حقاً. فقوةُ التنظيم التي اكتسبها مع الصيد منحَته فرصةَ بسطِ نفوذه، وتأسيسِ أولِ هرميةٍ اجتماعية. ومن خلالِ مثلِ هذه الظواهر والمستجدات الوقائعية، يمكننا استشفافُ كيفيةِ استخدامِ الذكاء التحليلي لأغراضٍ مشينة لأولِ مرة وبشكلٍ ممنهجٍ داخلَ البنيةِ الاجتماعية.

يمثل التنظيم العسكري الذروة التي تبلغها ثقافة الصيد والحرب. ويتطور هذا التنظيم كلما تبعثر المجتمع الطبيعي والإثني. وبينما يُطوِّر التنظيم الملتف حول المرأة الأم علاقات النَّسَب والجِينات والقرابة، يتخذ التنظيم العسكري من الرجال الأشداء المنقطعين عن هذه العلاقات أساساً له. وغدا يقيناً أنه ما من شكل للمجتمع الطبيعي يمكنه الوقوف في وجه هذه القوة، حيث تدخَّل العنف الاجتماعي – يمكن تسميته أيضاً بالعلاقة المدنية – في العلاقات الاجتماعية. والقوة المعيِّنة هي أصحاب العنف. هكذا تُفتَح الطريق أمام المُلكية الخاصة أيضاً. يمكن الاستيعاب أن العنف يتخفى في أساس المُلكية. والاستيلاء بالعنف وسفك الدماء، يعزِّز عاطفة الـ”أنا” بشكل مفرط. إذ لا يمكن تطوير وسائل العنف وتطبيقها، دون وجود التحكم والهيمنة على العلاقات. أما الهيمنة والتحكم، فمنوطان بدورهما بالتملُّك. وهي علاقة جدلية. والتملك هو لُبُّ كل الأنظمة المُلكية. شُرِعَت الأبواب أمام مرحلة يُنظَر فيها بعين المُلك للجماعات والمرأة والأطفال والشبيبة، ولمناطق الزراعة والصيد المعطاءة أيضاً. ويقوم الرجل القوي بانطلاقته الأولى بكل هيبته وجبروته. بقي القليل على تحوله إلى الإله المَلك. وما برح الشامانيون الرهبان يشرفون على الشؤون لتكوين ميثولوجيا العهد الجديد. وما يلزم عمله هو، ترسيخ هذا التكوين الجديد في عقل الإنسان المستحكَم على أنه تطور عظيم ومهيب. فحرب إضفاء المشروعية عليه، تستلزم تفنُّناً ومهارة في الجهود، بقدر تطلبها العنف الفظ بأقل تقدير. يجب توطيد عقيدة في عقل الإنسان، وكأنها القانون المطلق. كل المعطيات السوسيولوجية تشير إلى أنه تم بلوغ مصطلح “الإله الحاكم” في هذه المرحلة. لم يكن ثمة علاقة تحكم في العقيدة “الطوطمية” المرافقة للمجتمع الطبيعي. فهي علاقة مقدسة ومسَلَّم بها كرمز للكلان. وكيفما تكون حياة الكلان، هكذا يُصوَّر اصطلاحها الرمزي. لا يمكن التفكير بإمكانية العيش دون الامتثال الصارم لحياة وضوابط التنظيم الكلاني. وبالتالي سيُعتَبَر الطوطم مقدساً ومحصَّناً، باعتباره التصوير الأسمى والأرقى لوجود الكلان، ويجب احترامه وتبجيله. أما المادة التي يتكون منها، فيتم اختيارها من أكثر أنواع الحيوانات أو النباتات أو الأشياء نفعاً. فأي مادة في الطبيعة تزوِّد الكلان بالحياة وتؤمِّنها له، سيُعتَقَد بها، وستُعتبَر رمزاً (طوطماً) لذاك الكلان. وهكذا فديانة المجتمع الطبيعي في تكامل واتحاد مع الطبيعة. وهي ليست مصدر خوف أو ورع، بل عامل تعزيز وتوطيد، تُكسِب المرءَ الشخصية وتمده بالقوة.

في حين أن الإله المُعلى من شأنه في المجتمع القديم تخَطَّى الطوطم وموَّهه. فقد بُحِث له عن مكان يقطنه في ذرى الجبال، وقيعان البحار، وفي كبد السماء. وبدأ الحديث عن القوة الحاكمة. كم يشبه ذلك طبقة الأسياد المتولدة حديثاً! فأحد أسماء الإله في كتاب “العهد القديم” – وبالتالي في الإنجيل والقرآن – هو “الرب”، أي السيد. أي أن الطبقة الجديدة تنشأ وهي تؤلِّه ذاتها. ومن الأسماء الشهيرة الأخرى “أل، ألوهيم”، ويعني “العلو”. وهو يُبَشِّر بالسَّلَف (أو بالشيخ) المتسامي على قبائل الصحراء.  تتسم ولادة البطرياركية (نظام السلطة الأبوية) وولادة الإله الجديد بتداخل مثير للغاية، في كافة الكتب المقدسة. هكذا هي الحال في “إلياذة” هوميروس، وفي “رامايانا” الهند، وفي “كالاوالا” الفينليين. وبدون تأمين مشروعية المجتمع الجديد وتوطيدها في العقول، من الصعب له أن يجد فرصته في الحياة. ذلك أنه من المحال إدارة أية وحدة في المجتمع الموجَّه، ما لم يتم إقناعها بالمطلوب. فتأثير العنف في شؤون الإدارة لحظي، ولا يؤمِّن القناعة الراسخة. ومثال السومريين في التاريخ مثير حقاً، ويستحق التمحيص والتدقيق، لتضمنه ذلك كأول أصل مدوَّن في حوزتنا. فخلْق الإله لدى السومريين خارق للغاية. نخص بالذكر هنا انهيار الإلهة الأم، ونفوذ الإله الأب محلها، حيث يشكل صُلْب كافة الملاحم السومرية. فالصراعات المضطرمة بين إينانا وأنكي، بين ماردوخ وتيامات، تحتل مكانها في ملاحمهم، من البداية وحتى النهاية. والإمعان السوسيولوجي في هذه الملاحم، التي انعكست على جميع الملاحم والكتب المقدسة اللاحقة؛ يزودنا بمعلومات عظمى. ليس هباء أن يتم البدء بالتاريخ من السومريين. فتحليل الأديان، الملاحم الأدبية، القانون، الديمقراطية، والدولة اعتماداً على لوحات ولُقى السومريين المدوَّنة؛ قد يكون أحد الدروب الأقرب إلى الصواب، والمحفِّزة على إحداث الانطلاقة اللازمة لعلم الاجتماع.

ربما تُعَد هذه الثورة المضادة، التي أقامتها العقلية الأبوية السلطوية، أكبر تحريف وتضليل شهده التاريخ. فقد أوغل الإنسانُ جذوره في عقلية المجتمع لدرجة لا نفتأ اليوم عاجزين حتى عن التفكير بتخطي تأثيراتها. الرهبان السومريون لا يزالون يحكموننا. فمؤسسات الدولة التي أوجدوها، والآلهة التي صوَّروها وكوَّنوها كتعابير مشروعة، لا تنفك تحكمنا اليوم بهيبة لا يسعنا فتح عيوننا أمامها. وتتحكم بوجهات نظرنا وبراديغمائياتنا الأساسية كلها. وكأن مقولة “آلبرت آينشتاين”: “إن قوة التقاليد والعادات تضاهي ما يلزم لتفكيك الذرّة” قيلت بشأن هذه العلاقات على الأرجح. أفلا تستمر أضرس أشكال الحروب والاستعمار، بما لا تعرف السكون ولا الهوادة، وبما لا يتطابق وأي معيار إنساني، منذ ذاك الوقت وحتى الآن، في العراق، بلاد ما بين الرافدين دجلة والفرات، مهد الدولة وموطن الزقورات، وقصور الرهبان السومريين المقدسين! أَوَليست تلك المقولة تشيد بذلك؟ إذن، دعك من أن يكون المجتمع الأبوي السلطوي وتدوُّله لخير البشرية وصالحها، إنه أكبر بلاء مسلَّط عليها. فهذه الوسيلة الجديدة ستدمر ما حولها كي تكبر وتتضخم، كالكرة الثلجية حيناً، وكالكرة النارية أحايين أخر؛ لتحوِّل كوكبنا الأقدس على الإطلاق إلى حالة لا يطاق المكوث فيه. يشبِّه كتاب “العهد القديم” ظهور الدولة بظهور “اللوياثان”* من أعماق البحر. وهذا ما مؤداه أن الكتاب المقدس قد ثبَّت أعظم حقيقة، في جانب من جوانبه. ويتم التطرق فيه على الدوام إلى المخاوف الكبرى للتغلب على “اللوياثان”، فيقول: إذا لم نتحكم به ونكبح جماحه، فسوف “يفترس الجميع!”.

يلاحَظ أن السلطة البطرياركية (السلطة الأبوية الحاكمة) قد سارعت من تقدمها في الألف الرابع قبل الميلاد (4000ق.م). حيث اكتسبت الحاشية العسكرية قوتها في المجتمع، ورافقها ظهور الصراعات القبلية المتعاقبة والمحتدمة. كما نلاحظ آثار ممارسات الإبادة والإخناع والتذليل أيضاً. ومواصلة العشائر في وجودها حتى الآن، إنما يشهد لنا بمدى الضراوة التي شهدتها تلك الحقبة. وقد انتشرت السلطة الأبوية هناك لتتمخض عن ظهور التمايز الطبقي والتدوُّل. شهدت أعوام الألف الثالث قبل الميلاد (3000ق.م) ولادة أول مدينة للدولة، حيث أن أشهر أمثلتها هي مدينة أوروك. وما ملحمة كلكامش في مضمونها سوى ملحمة تأسيس مدينة أوروك.  يمكن القول بأن أعظم ثورة شهدها التاريخ حصلت ضمن نطاق ثقافة هذه المدينة. فالتصورات المشيرة إلى صراع إينانا وأنكي، إنما تعكس لنا الصراع القائم بين مجتمع المرأة الأم والمجتمع الأبوي الذكوري، بلغة شعرية بارعة حقاً. وملحمة كلكامش تتطرق إلى أول وأروع نموذج أصلي لوحظ في كل مجتمع آنذاك، في عصر البطولة والأبطال. كما نلاحظ فيها أيضاً الصراعات الأولى القائمة بين المدنيين والبرابرة الوحشيين. والمرأة لا تزال فيها بعيدة عن الهزيمة والفشل. لكن الرجل القوي ما برح يُعَوِّد المجتمع ويُمَرِّنُه على سلطته خطوة خطوة، عبر حاشيته العسكرية. إنه يتجه نحو إشراقة المجتمع الحضاري وبزوغ فجره، عبر تصوراته الأيديولوجية ومؤسساته الدينية وقصوره الفخمة وسلالاته الأولى.

 

يتبع…….

التعليقات متوقفه