عبدالله اوجلان حول الاقتصاد -2

الفصل الثاني

الاقتصاد في المجتمع الطبيعي

 

من المعروف علمياً إن مرحلة التحول المجتمعي هي الظاهرة الأساسية التي حققها الإنسان في كرتنا الأرضية. وتواصل المجتمعات البشرية بمعرفة وفهم وإرادة مرحلة التطور الطبيعي المستمر عند الكيانات الحية غير الإنسانية. إن القفزة التي حققها نوع الإنسان في مرحلة الفهم والإدراك التي مهدت السبيل أمام البنية اللغوية الحالية في نوع Homo Sapiens،  أتاحت الإمكانية لقفزة في التكوينات الاجتماعية الإرادية. كانت المجموعات البشرية تعيش في مستوى المجموعات الحيوانية المتطورة في مرحلة المجموعات البدائية. ومع تطور العقل واستخدام أدوات وتقنيات العيش حدثت قفزة نوعية في نوع الإنسان العاقل هوموسابيينس “Homo sapiens”، إذ تحققت المرحلة الأولية والأساسية للثورة المجتمعية. وأهم خاصية لهذه الثورة المجتمعية هي فهم رقي العيش بشكل جماعي، وكما تتشكل العناصر الأولية الأساسية في المادة، ففي المجتمعية أيضاً هناك تطور للوحدات المتينة والثابتة في خط تصاعدي مع مرور الزمن.

ثمة نسبةٌ هامةٌ من الواقعيةِ في قصةِ هوموسابيانس (الإنسان المفكِّر)، الذي يُفتَرَضُ أنه عاشَ في شرقي أفريقيا، وأنّه يَعُودُ إلى ما قبل حوالي مائتَي ألفِ سنة على وجهِ التقريب، ويُعتَقَدُ أنه وُلِدَ بعدَ ذلك من أمٍّ واحدة، وأنه تَوَصَّلَ إلى اللغةِ الرمزيةِ قبل خمسين ألفِ سنة، وأنه خَرَجَ من مجتمعِ ما قبلَ الزراعةِ مع انقضاءِ العصرِ الجليديِّ الأخيرِ على حوافِّ سلسلةِ جبالِ طوروس – زاغروس قبل عشرين ألف سنة، ويُجمَعُ عموماً على أنه انتقلَ إلى نظامِ حياةٍ اجتماعيةٍ تتداخلُ فيها الزراعةُ القَبَلِيّةُ مع القطفِ والقنصِ منذ خمسةَ عشر ألفِ سنة تقريباً. وقد أُضِيفَت المدنيةُ المركزيةُ الممتدةُ خلالَ خمسةِ آلافِ عامٍ على نمطِ الحياةِ ذاك، الذي تَطَوَّرَ بصفتِه مجتمعِ الزراعةِ – القرية. الثورةُ الزراعيةُ هي ثورةُ التاريخِ الأكثر تَجَذُّراً وعَراقةً في ثقافةِ المجتمعِ الماديةِ والمعنوية. فقد تَشَكَّلَ المجتمعُ البشريُّ أساساً حول الزراعة. ولا يُمكِنُ التفكير بمجتمعٍ بلا زراعة. لا تقتصرُ الزراعةُ على تأمينِ حلِّ قضيةِ المَأكَلِ فحسب، بل وتُمَهِّدُ السبيلَ لتَحَوُّلاتٍ وتغييراتٍ جذريةٍ في وسائلِ الثقافةِ الماديةِ والمعنويةِ الأساسية، وعلى رأسها الذكاء، اللغة، السكان، الإدارة، الدفاع، الاستقرار، الدين، التقنية، المَلبَس، والبنية الأثنية.

هذه المجتمعيةُ الجديدةُ الساعيةُ لتنظيمِ ذاتِها على حوافِّ سلسلةِ جبالِ طوروس – زاغروس منذ بدءِ انقضاءِ العصرِ الجليديِّ الأخيرِ قبلَ عشرين ألفِ سنة، كانت في حالةِ عبورٍ صوبَ الزراعةِ بالاستفادةِ من أنواعِ النباتاتِ الوفيرة، وصوبَ تربيةِ الحيوانِ بالاستفادةِ من الحيواناتِ الصالحةِ للتدجين. وقد انتَهَت هذه المرحلةُ الانتقاليةُ إلى الحياةِ القروية المستقرةِ قبل عشرةِ آلافِ سنة. ونشاطاتُ الزرعِ وتربيةِ الحيوانِ أَبرَزَت مجتمعيةَ المُزارِعِ والراعي إلى المقدمة. هكذا تَبَدَّت حياةٌ أَشبَهُ بالحلمِ والخيالِ بالنسبةِ للبشرية. وأساسُ جميعِ الأعيادِ والمراسيمِ، التي لا تَبرَحُ آثارُها مستمرةً حتى الآن، ينبثقُ من الغِبطةِ والسرورِ بهذه الحياةِ الجديدةِ التي كالأحلام. حيث كان حَصَلَ العبورُ من مجتمعِ القحطِ والشحِّ نحو مجتمعِ الوفرةِ والغنى. وقد تمَّ عيشُ هذا الشكلِ طيلةَ عشرةِ آلافِ سنة على وجهِ التقريب، دون مشاهدةِ أيِّ نمطٍ آخر من المجتمعات. فانتشرَ شكلُ الحياةِ هذا إلى كافةِ أرجاءِ المعمورة. وبالرغمِ من الآراءِ القائلةِ بتعددِ المراكز، إلا أنّ كونَ هذا التمركزِ الأولِ للحياةِ الجديدةِ البارزةِ يتميزُ بأهميةٍ مُعَيِّنةٍ قد أُثبِتَ ودُعِمَ ببراهين قاطعةٍ أكثر.

– العصر المشاعي البدائي (من الإنسان البدائي حتى نهايات العصر الجليدي الرابع، أي إلى ما قبل 20 ألف سنة). يتم إرساء أرضيةِ ثقافةِ الاقتصاد في النَّسَقِ الأمومي المشاعي البدائي. حيث تُستَهلك الغلالُ المُؤَمَّنةُ من القنصِ والقطفِ بشكلٍ مباشر، مع الاستفادة من الجلود والألياف. والمرأة – الأم هي السلطة المنسِّقة للكلان بشكلٍ غالب. إنه ضربٌ من ضروبِ الهيمنة الأمومية الأولى. تتجسد العلاقةُ والتناقضُ الأساسي ضمن المجتمع الكلاني في: الحماية من كلِّ ما يُشَكِّل خطراً من بين شروط البيئة الطبيعية، والاستفادة من كلِّ ما يمنح فرصَ التغذية والإمكانيات المناسبة. تتسم هويةُ الكلان بمسحةٍ حياتية ومصيريةٍ لا مفرَّ منها في هذه الظروف. لم يتطور مفهومُ الزوج – الزوجة بعد. المرأةُ المنجبةُ معروفة، في حين أنّ شريكَها – الرجل المضاجع لها – عديمُ الأهمية لدرجةِ الجهلِ به. وقد عاش المجتمعُ البشري 5.98% من مجموعِ حياته إلى الآن على هذا المنوال. هكذا، فهو أطول أشكالِ المجتمع زمنياً. وباعتبارِ أنّ الحجارةَ المصقولةَ بشكلٍ طفيفٍ هي الوسائلُ المستعمَلةُ أساساً حينذاك، فيُطلَق عليه اسمُ العصر الحجري المصقول. وأحياناً يسمى بالعصر الوحشي البدائي. في حين أنّ الاسمَ المفضَّلَ سوسيولوجياً هو النظامُ المشاعي البدائي. تُستَخدَم فيه لغةُ الإشارة، ويَسُوده السكنُ داخلَ الكهوف والأكواخ العالية الموثوقة بالأوتاد على ضفافِ الجداول والأنهار والبحيرات. ويَرجُحُ الظنُّ والاعتقادُ بأنه تم العيشُ هكذا طيلةَ مليونَي سنةٍ في أفريقيا، ومليونِ سنةٍ في آسيا والقارة الأوروبية. لم تتطور بعد اصطلاحاتُ الوطن، الحدود، والمُلكِية. والانتماءُ لا يُعرَف إلا بالكلان. وعندما يُراد ترميزُ الكلان، يتم ذلك بتمثيلها بالطوطم أو أي شيءٍ Nesne مُعَبِّر آخر. وتمر البشريةُ من هذا الشكل النَّسَقي الرتيب حتى نهاياتِ العصر الجليدي الرابع، وإنْ شَهِدَت داخلها قفزاتٍ ومستوياتٍ تطوريةٍ متفاوتةٍ إلى حدٍّ ما.

إن الثورة القروية للعصر النيوليثي هي المرحلة الثانية الكبيرة في هذه الحقبة التاريخية. وتعتبر هذه الثورة التي حدثت قبل 12000 سنة أكبر خطوة للتحول المجتمعي. ويتواصل تأثير هذه الخطوة على تطور البنية العقلية البشرية من خلال مؤسساتها المادية والمعنوية. إن الثورة القروية للعصر النيوليثي وبنية المجتمع الريفي التي استقرت وتطورت بالاعتماد على هذه الثورة، هي التي خلقت العناصر الأساسية التي لازالت تغذي الحضارة، وفي مقدمة هذه العناصر، العقلية الطبيعية للعيش الحر والتي لازالت مرغوباً بها حتى يومنا هذا، والصداقة الحية مع الطبيعة، والبنية الروحية التي لا يحكمها أو تؤثر عليها القوى الإلهية المخيفة، والمشاعر القوية للأم، ورغبة المساواة بين الرجل والمرأة، وتأهيل الحيوانات والزراعة، والتي لازالت تغذي الحضارة الأوروبية بوسائلها وإنتاجها، والإيديولوجية المعتمدة على هذه الوسائل والإنتاج، واكتشاف المعادن وقابليتها للاستخدام.

كانت تكويناتُ القريةِ قد قُيِّمَت حتى الآن ارتباطاً بالثورةِ الزراعية. والعبورُ إلى تكويناتِ القريةِ تزامُناً مع النظامِ القَبَلِيِّ شبهِ البَدَوِيّ، هو واقعٌ اجتماعيٌّ هامٌّ آخر أَثبَتَه معبدُ كوباكلي تبه في أورفا. كنتُ قد أَرجَعتُ سابقاً نشوءَ المدينةِ والدولةِ إلى معابدِ الكَهَنةِ السومريين. وعليَّ التبيانَ بأهميةٍ وبمنوالٍ مماثل، أنَّ إدارةَ القريةِ والكومون (المشاعة)، أي الديمقراطيةَ الأولى البدائية (بمعنى الأولى أو الأصلية)، قد تَكَوَّنَت هذه المرة بالالتفافِ حولَ أنظمةِ المعابدِ المشتَرَكةِ للقبائل. ذلك أنَّ كلَّ معبدٍ مشتَرَكٍ يُشَكِّلُ أرضيةَ الاستقرارِ والتبادلِ البدائيّ، وإلى العواطفِ المشتركةِ وثورةِ الفكر (الفن) أيضاً. إذن، والحالُ هذه، بالإمكان الإشارةَ إلى أنَّ تبادُلَ الهدايا كأولِ شكلٍ بدائيٍّ وأصليٍّ للتجارةِ قد حصلَ أثناء مواعيدِ المعبدِ المشتَرَك.

كونُ الثورةِ الزراعيةِ تنامت اعتماداً على النظامِ القَبَلِيِّ شبهِ المستقرِّ، وكونُها مشحونةً بمعنى ثوريّ؛ يُعَدُّ حُكماً مشتركاً للمؤرِّخين وللحياةِ نفسِها. والسردُ التاريخيُّ الأدنى إلى الحقيقة يتجسدُ في تَقييمِ منطقةِ أورفا الجيوبيولوجيةِ الشاسعةِ بأنها المنطقةُ المركزيةُ الطويلةُ المدى للثورةِ الزراعية (الفترة ما بين 000,10 – 5000 على وجهِ التخمين)، بِوصفِها المنطقةَ الأكثر عطاءً من الهلالِ الخصيب.

كما تبين أن أقدم الشعوب سكنت في أراضي أورفا، حيث يمتد تاريخ أولى المجموعات الإنسانية التي تواجدت في ( نوالي جولي Nevali Çoli ) و ( جوبكلي تبه Göbekli Tepe ) إلى الألف الحادي عشر قبل الميلاد. وقد تم إثبات أن أول المعابد قد بنيت في هذه الأراضي.

وعلى الأغلب أن المناطق المسماة اليوم بأورفا، ديار بكر، ماردين، والمناطق المجاورة لها هي مراكز هذا العصر. ولا تزال التلال الترابية التي تتراءى لعابري السبيل، والمتبقية من ذاك العصر، صامدة أمامنا ككنز تاريخي لا مثيل له. ولا تزال المئات منها تنتظر الحفر والتنقيب. أن حفريات أثرية دقيقة في هذه التلال يمكنها كشف النقاب عن أول أعظم الثورات الإنسانية. ولا يعود إلى ظروف استثنائية أو غير عادية لهذه المنطقة بل إلى العوامل الجغرافية الملائمة، حيث المناطق الجبلية والسهلية ووجود الغابات، ملائمة لزراعة العديد من المحاصيل وتدجين الحيوانات وتربيتها. أما الكهوف والمغارات الطبيعية فقد شكلت أول الأماكن المناسبة للسكن فيها. فإلى جانب الأنهار الكبرى توجد العديد من الروافد والينابيع.

إمكانيات الري هذه، الأمطار الغزيرة، إمكانيات الزراعة وتربية الحيوانات، السكن والاستقرار؛ كل هذه العوامل مجتمعة تشكل ظروفاً مثالية. وهذه هي أسباب كون هذه المنطقة تشكل مهد الحضارات الإنسانية. وتطور الزراعة أدى إلى الاستقرار والثورة الريفية التي سبقت الثورة المدنية، التي  فتحت بدورها الطريق أمام تغيرات كبيرة في وعي الإنسان وعالمه الروحي.

تعتبر الخيرات الوفيرة، والتزايد السكاني، والاستقرار السكني الحاصل، أكثر ما يلفت الانتباه في تاريخ المنطقة. وقد تجذرت هذه الثورة فيها  لدرجة  أن الثقافة الزراعية النيوليتية وذهنيتها، والسلوك الإنساني لا تزال مؤثرة حتى يومنا الحالي. كما بقيت ثقافة المجتمع الأمومي سائدة لفترة طويلة من  الزمن،  حيث تطورت الزراعة وتدجين وتربية الحيوانات بيد المرأة. فالاستقرار كان ضرورة قصوى بالنسبة للمرأة، إذ أن تربية الأطفال، والاعتناء بالحقول والمرابي، تطلب الاستقرار كحاجة لا بد منها. وقد زادت هذه الظروف من أهمية دور المرأة وفعاليتها، وتشكّل ثقافة عبادة الآلهة الإناث. فالآلهة الأوائل كنَّ إناثاً لا ذكوراً. وطغت الصبغة  الأنثوية على بنية اللغة. وترجع عادة تسمية أولى الآلهة بـ ” ستارك” أو ” ستيرك” أي ( نجمة ) إلى تلك الحقبة من الزمن حيث رمز للمرأة بالنجمة. كلمة ” ستار” ” Star ” مشتقة من ” Istark “. وقد شيدت هياكل هذه الإلهات في أولى معابد القرى التي أقيمت آنذاك. وقد ثبت ذلك من خلال الحفريات.

تعبر منطقة أورفا من أكبر مراكز هذه الثورة. ومنذ الألف العاشر قبل الميلاد، ساهم الوضع الجغرافي المثالي لأورفا، في أن تصبح مهداً للزراعة وتربية الحيوانات على مر العصور التاريخية الطويلة الماضية. وتدل المرتفعات الترابية والمغارات الموجودة بجوار المياه، على مدى قوة الاستقرار السكني وانتشاره في تلك الفترة بنظام لا يمكن مصادفته في أي بقعة أخرى من العالم. لذا يمكن القول بأن أورفا  والمناطق المجاورة لها هي مراكز العهد النيوليتيكي الممتد إلى عشر آلاف سنة. وكما تعتبر أوربا مركز العصر الرأسمالي- منذ خمسمائة سنة- فقد تركت الإنسانية في  هذه المناطق آثاراً لا يمكن محوها أو  إزالتها للأجيال اللاحقة، والتي تشير إلى أنه يعتبر أطور عصر لسكن الإنسان في التاريخ.

كما ينظر إلى تاريخ سومر ومصر على أنه امتداد طبيعي للتاريخ الموجود هنا. حيث أن الإنسانية، وبعد اكتسابها التجارب الغنية في السكن، والزراعة، وتربية الحيوانات وتزودت بالعلم والإيديولوجية والقوة الإدارية، انحدرت نحو ضفاف الأنهار والأراضي  الخيرة المعطاءة. إن البقايا الأثرية المكتشفة في فترات متلاحقة تثبت أن الحضارة الموجودة في  منطقة سومر ومصر إنما ترجع في  أصولها إلى هذه المنطقة،لأنه من غير الممكن – كما يلاحظ- أن تتحقق الثورة الزراعية في الصحراء العربية أو الإفريقية. كما أن التجمعات السكنية الأولى على ضفاف الأنهار الطينية لم تشهد بداية حضارة زراعية وحيوانية. توضح هذه الحقيقة تماماً أسباب بدء التاريخ في الحوض الأعلى لمنطقة ما بين النهرين دجلة والفرات، وخاصة في منطقة أورفة وجوارها.

ذلك أنّ هذه الأراضي أقربُ إلى المُثلى من حيث العطاءِ والتنوع، أكان ذلك في زراعةِ النبات، أم في تدجين وتربيةِ الأغنامِ والمواعزِ والأبقار. إنها بمثابةِ المنطقةِ الأكثر نموذجيةً في عصرها، من جهةِ بُنيةِ أراضيها وعَطاءِ تُرابِها وشروطِها المناخيةِ وعالَمِها النباتِيِّ والحيوانِيِّ الخاصِّ بها. فكأنها تَمتَلِكُ ظروفَ الريِّ الطبيعيّ، إضافةً إلى أنّه لَطالما تواجدت الأراضي الواسعةُ لأجلِ الزراعةِ المرويةِ حولَ نهرَي دجلة والفرات وفروعِهما.

ذاك العصر هو عصر الزراعة، تربية الحيوانات، غرس الأشجار، بناء القرى، بناء المعابد، وترسيخ أول رمز إلهي سماوي للعبادة. إنه العهد الذي عرف المجتمع الأمومي المتمحور حول المرأة، ولدت فيه ثقافة المرأة بكل أوجها وقوتها، ولا يزال تأثيرها مستمراً على البشرية. فحيث نجد الزراعة وتربية الحيوانات والثقافة الأمومية هي الغالبة، ندرك أن  ذاك المكان يحمل طابع المكان الأصلي الذي تحققت فيه هذه الحقبة. هذه الثورة التاريخية الأولى والتي انتشرت فيما  بعد على أمواج متتابعة، قد  تحققت ف منطقة أورفة.

والأهمُّ هو سيادةُ حياةٍ يَطغى فيها شأنُ المرأةِ ولا تتعارض مع البيئة. ولدى مقارنةِ ذلك مع راهننا، فهذه الميزةُ لوحدِها كافيةٌ لإيضاحِ تَفَوُّقِ مجتمعِ ذاك العصر. ذلك أنَّ مجتمعاً يقمعُ المرأةَ والبيئةَ بقدرِ مدنيتِنا الراهنة، لا يُمكِنُ اعتبارَه متفوقاً أو راقياً، بالرغمِ من الترويجِ الدعائيِّ المتواصل له. وإذ ما تَوَجَّبَ الحديثُ عن تَفَوُّقِ وسلامةِ مجتمعٍ ما، فمن الضروريِّ أخذَ المعاييرِ الأيكولوجيةِ والفامينيةِ أساساً (التي ليست بالمعنى البورجوازي). ومجتمعاتُنا الحاليةُ بجانبِها هذا هي مجتمعاتٌ مريضةٌ حقاً.

لا يمكن أن تتحقق احتياجات المرأة اللازمة لإنجاب الأطفال وتنشئتهم ورعايتهم بسهولة، إلا في الظروف الاستيطانية المستقرة. ولدى التحام هذه الاحتياجات مع الظروف المناخية المناسبة ووجود الحيوانات والمواشي؛ تولَّدت الشروط الأولية للتأهيل والاستئناس. وفن جمع الثمار والعديد من الفواكه والأعشاب، يلبي الاحتياجات اللازمة من أجل القوت. بالإضافة إلى أن تدجين الماعز والمواشي البرية زاد من وفرة المحاصيل لتلبية الاحتياج اللازم من الصوف والحليب. ومع التجربة، شوهد أن زراعة النباتات والأشجار المفيدة والمثمرة في الحقول يزيد من وفرة الإنتاج أضعافاً مضاعفة. وعوضاً عن قتل الحيوانات مباشرة، سيكون من الناجع أكثر تدجينها ورعايتها والإفادة من حليبها وصوفها، وقتل الجوع بها في أوقات العَوَز والفاقة. كانت المرأة الأم صاحبة خبرة واسعة في كلا المسألتين لتطوير النظام الأهلي من حولها مع أطفالها الذين ترعاهم وتربيهم. قد يكون الخروج من المغاور والكهوف من أجل زراعة المحاصيل وتربية الحيوانات في الأماكن المناسبة، وبناء البيوت؛ أمراً بسيطاً آنذاك. ولكنه سيلعب فيما بعد دوراً تاريخياً عملاقاً، مثلما لعبه الصعود إلى القمر في أيامنا. لن يكون من الصعب تحوُّل الأكواخ الصغيرة إلى قرية. يمكننا العثور على بقايا الآثار القوية لهذه الثقافة المستمرة حتى أعوام 11000ق.م، في العديد من مناطق كردستان اليوم، مثل “أرغاني جايونو” في ديار بكر، و”جمه خالان” في باطمان، و”نوالا جوليه” و”كوبه كلي تبه” في أورفا، ومنطقة برادوست، و”ماغ” في هكاري. لم يُعثَر بعد على مواطن استيطانية أقدم من هذه في أي بقعة أخرى من العالم. تأتي في مقدمة البراهين المؤكدة على كثافة ثقافة المرأة الأهلية في هذه المناطق، كون التماثيل المنحوتة هي تماثيل نساء. كما أن البادئات الأنثوية في البنية اللغوية لتلك المناطق أيضاً مثال يُحتَذى به. هذا وكون المرأة ماهرة في نفس المجال من تلك الثقافة، يؤكد صحة هذه الحقيقة.

تؤدي المرأةُ دوراً رئيسياً أكثر في المجتمعيةِ مقارنةً مع الرجل، نظراً لكونِها صاحبةَ الجهودِ الدؤوبةِ على الإطلاق في تأمينِ السيرورةِ الاجتماعية. فالإنجابُ وتنشئةُ الأطفالِ وحمايتُهم تُحَقِّقُ تَطَوُّرَ المجتمعيةِ في المَسارِ الأموميّ. لذا، غالباً ما يَحمِلُ المجتمعُ هويةَ المرأةِ – الأم. ووجودُ العناصرِ المُؤَنَّثَةِ في أصولِ اللغةِ والدين، إنما يُؤَيِّدُ هذه الحقيقة. فهويةُ وصوتُ المرأةِ في مجتمعِ الزراعةِ – القريةِ يستمرّان في صَونِ قوتِهما.

فقد ظهرَ الاقتصادُ مع نشوءِ العوائلِ الزراعيةِ الأولى المستقرةِ بالتمحورِ حولَ المرأة، والاحتفاظِ بالغِلال، وتخزينها ولو بنطاقٍ جِدِّ محدود، وفي مقدمتِها تلك المنيعةُ المقاوِمةُ للتَّلَف، بالإضافةِ إلى إمكانيةِ التخزينِ في المستودعات. لكنّ هذا الادخارَ ليس لأجلِ التُّجَّارِ أو السوق، بل لأجلِ العائلة. يبدو أنّ هذا هو الاقتصادُ الإنسانيُّ الطابعِ والحقيقيُّ الجوهر. فقد تَمَّ تلافي أنْ يَصِيرَ الادخارُ عامِلَ خطرٍ يهددُ بالطمعِ والجشع، وذلك عبر ثقافةِ العطايا والهدايا المنتشرةِ في جميعِ الأرجاء. ويبدو أنّ مبدأَ “المال يُعَلِّمُ الطمع” يتأتى من تلك الحقبة. إنّ ثقافةَ العطايا شكلٌ اقتصاديٌّ هامٌّ، ويتواءمُ مع نَسَقِ وتناغمِ تَطَوُّرِ الإنسانِ لأقصى الحدود.

فمَن يتراكم لديه الإنتاج الفائض في ذاك المجتمع المشاعي، لم يكن بمقدوره فرض الاحترام تجاه سلطته والامتثال لها، إلا عندما يشاطر ما يدّخره مع أفراد جماعته. حيث يُنظَر إلى الادخار والتكديس بعين الجُرم الأكبر. والشخص الأفضل هو ذاك الذي يوزع ما يدخره من إنتاج. ويرجع مفهوم “الكرم والسخاء”، الذي ما يزال سائداً في المجتمعات القبائلية، في أصله إلى هذه التقاليد التاريخية الراسخة. وحتى الأعياد ابتدأت بالظهور كمراسيم لتوزيع الفائض. فالجماعة في بداياتها ترى في الادخار والتكديس أفدح خطر يهدد وجودها، فتجعل من المقاومة تجاهه أساساً للمفاهيم الأخلاقية والدينية لديها. وليس من الصعوبة ملاحظة آثار هذه التقاليد في كافة التعاليم الدينية والأخلاقية، وبشكل قوي للغاية. لم يصادِق المجتمع على الهرمية، إلا عندما رأى فيها الفائدة والسخاء والمكاسب. تلعب الهرمية بجانبها هذا دوراً إيجابياً نافعاً. هذه الماهية للهرمية المعتمدة على المرأة الأم، تشكل الأساس التاريخي لمصطلح “الأم” الذي مافتئ يُعتَرَف به بإخلال، ويُنظَر إليه كسلطة قديرة في كافة المجتمعات. ذلك أن الأم هي العضو الرئيس، المنجب الخصيب، والمنشئ المعيل في أحلك الظروف وأقساها. ما من شائبة في أن ثقافةً وهرميةً وسلطةً متشكلة بناء على ذلك، ستلقى الامتثال الأعظم لها. وتشكيلها لأساس الوجود المجتمعي هو إشارة حقيقية لقوة مصطلح “الأم”، الذي لا يزال يحافظ على منزلته في راهننا أيضاً. وهو لا يتأتى من خاصية الإنجاب البيولوجية المجردة، مثلما يُظَن. بل يجب رؤية “الأم، الأم الإلهة” على أنها الظاهرة والمصطلح الاجتماعي الأهم على الإطلاق.

هذا ويمكن الابتداء بثقافةِ القرابين من هذه الحقبة. ومن المفهومِ أنْ نُلاحِظَ تَطَوُّرَ اصطلاحِ ما يُسَمّى بالآلهة، كمحصلةٍ لتقديرِ الجماعاتِ لهوياتِها وتبجيلِها إياها، وكأولِ تعبيرٍ عن امتنانِها إزاءَ العطاءِ المتزايد. فالعطاءُ يقتضي الحمدَ والشكران. ونظراً لاستنادِه في منبعِه إلى التطورِ التدريجيِّ في نمطِ التجمع، فإنّ إضفاءَ الهويةِ على الجماعة، السموَّ بها، الدعاءَ، العبادةَ والخشوع، ومنحَها على أنها التقدمُ المتصاعدُ للعالَمِ الذهني؛ كلُّ ذلك إنما يُشَكِّلُ عناصرَ ثقافيةً على عُرىً وثيقةٍ وغائرةٍ مع الثورةِ الزراعية. واللُّقى الأثريةُ تُؤَكِّدُ صحةَ هذا الرأيِ على نحوٍ صارخٍ وساطع. وبشكلٍ ملموسٍ أكثر، فاصطلاحا الإلهةُ – الأمُّ والأمُّ المقدسةُ عامِلان مؤثِّران في تأكيدِ صحةِ ذلك.

عليَّ التوضيحَ بأنه لم تَكُن الثقافةُ النيوليتيةُ تعاني من مشاكلَ جديةٍ من حيثُ الفصلِ بين بُعدَيها الأيديولوجيِّ والمادي، بل ولَم تُواجِه القضايا المتفاقمةَ إلا بعدَ ولوجِها مرحلةَ الانسداد، وعجزِها عن حمايةِ ذاتِها تجاه تَصاعُدِ المجتمعِ المديني. وهنا أَتَلَمَّسُ أَوَّلاً ضرورةَ شرحِ مصطلحِ “القضايا” الذي طالما جعلتُه عنواناً أساسياً. فحسبَ المعنى الذي استخدمتُه، يُفيدُ هذا المصطلح بِحالةِ الفوضى المتأزمةِ التي لَم يَعُد الفردُ والمجتمعُ فيها قادرين على الاستمرارِ بالثقافتَين الأيديولوجية والمادية. في حين أنّ الخلاصَ من الوضعِ الإشكاليِّ المُعَقَّدِ يعني الحالةَ المنتَظَمةَ للمجتمعِ الجديد بعدَ اكتسابِه بنيةً قَيِّمة. أما الثقافةُ الأيديولوجية – ومثلما سعيتُ لشرحِها كثيراً – فتُعَبِّر عن ماهيةِ الفاعلياتِ والوظائف التي سُخِّرَت لها البنى والمؤسساتُ والأنسجة، ومعانيها وأحوالها الذهنية. في حين أنّ الثقافةَ الماديةَ تعني القسمَ الظاهرَ والملموسَ من الوظائف والفاعلياتِ والمعاني التي اضطررتُ لتوضيحِها بمصطلحاتٍ من قَبِيلِ المظهر المرئي، الظاهرة، المؤسسة، البنية، والنسيج. وإذا ما حاولنا لَحمَها مع الكونية، فهي تَعمَلُ على البحثِ عن الثنائيةِ الجدلية لـ الطاقة – المادة داخلَ الواقعِ الاجتماعي، وتفسيرِها بموجب ذلك.

وعلى ضوءِ هذه الاصطلاحاتِ نجدُ أنه ما مِن أوضاعٍ تُهَدِّدُ الحياةَ فيما بين عناصرِ الثقافتَين الأيديولوجية والمادية للمجتمعِ النيوليتي، وما مِن أمورٍ تَبعَثُ على النزاعِ والشِّقاق فيما بينهما، وبالأخص في مراحلِ البناءِ والتَّمَأسُس. ذلك أنّ الأخلاقَ الاجتماعيةَ لا تَسمَحُ بذلك البتة. فالمُلْكِيةُ الخاصةُ لم تَجِد فُرصتَها في النموِّ بعد، باعتبارِها المؤثرَ الأساسيَّ المُفضي إلى التصدعاتِ الاجتماعية. وتأسيساً على ذلك، فتقسيمُ العملِ بين الجنسَين لم يَتَعَرَّف بعد على علاقةِ المُلْكيةِ والعنف. علاوةً على أنّ تأمينَ القُوتِ والكلأِ حصيلةَ النشاطِ المشتركِ لَم يَشهَدْ بعدْ المُلْكيةَ الخاصة. بمعنى آخر، فالجماعاتُ الصغيرةُ التي لم تَتَضَخَّمْ بعد – حجماً وعدداً – تَتَّسِمُ بثقافاتٍ أيديولوجيةٍ وماديةٍ مشتركة ومتماسكةٍ فيما يتعلقُ بجميعِ النقاطِ الآنفة الذكر. ذلك لأنهم اعتَبَروا المُلْكيةَ الخاصةَ والعنفَ من المهالكِ الحيويةِ القادرة على تدميرِ هذه البنى وإفسادها، وبالتالي، استَمسَكوا بالتقاسمِ المشترَكِ والمَشُورةِ الجماعية كقاعدةٍ ركن في أخلاقِهم لأنها المبدأُ الأولي المحافظُ على تَراصِّ المجتمعِ وتَماسُكِه. ونظراً لطبيعةِ مبدأِ المعاني هذا، فالبنيةُ الداخليةُ للمجتمعِ النيوليتي تَبدو منيعةً وملتئمةً لأقصى الحدود. ويَعودُ استمرارُها طيلةَ آلافِ السنين إلى هذه الحقيقة. أما إذا قارنَّا الصلاتِ بين المجتمعِ والطبيعةِ آنذاك مع ما هي عليه في المجتمعِ المديني، فدَعكَ مِن وجودِ هُوَّةٍ فسيحةٍ بينهما آنذاك، بل إنّ التناغمَ والانسجامَ مع المبدأِ الأيكولوجي مستمرٌّ وبكلِّ قوة في كِلتا الثقافتَين. فاقترابُ الذهنيةِ من الطبيعةِ مُفعَمٌ بالقدسياتِ والألوهيات، ذلك أنهم يَنظُرون إلى الطبيعةِ على أنها حيويةٌ مثلُهم تماماً. فباعتبارِها سخيةٌ بِمَنحِهِم الهواءَ والماءَ والنارَ وشتى الأنواعِ النباتية والحيوانية والغذاء، فهي تُعادِلُ الإلهَ عندهم، بل وهي مِن أعظمِ عناصرِ الألوهية. ولطالما نَستَشعِرُ بعضَ البواعثِ القويةِ على اصطلاحَي الإلهِ والألوهية مستترةً في هذه الحقيقة.

ومهما يَكُ ثمةَ امتلاكٌ اجتماعي جماعي للنباتات والحيوانات المستَأنَسَة فجَعَلوها جوهرَ ثقافاتِهم، إلا أنه لا يمكن تسميةُ ذلك بالمُلْكية. فالملكيةُ تشتمل على التشييء. ولكن، لم يَكُن ثمةَ ذهنيةٌ تسفر عن التمييز بين الذاتاني والموضوعاني بعد. بل وكانوا يَعتَبِرون الأشياءَ Nesne مثلَهم. فبقدرِ ما يَكُونون مُلكاً لأنفسِهم ولبعضِهم، تَكُونُ الثقافةُ والنباتُ والحيواناتُ المُدَجَّنةُ أيضاً مُلكاً بنفسِ الدرجة. وبالتالي، لا يُمكنُ الحديثُ عن خللٍ أيكولوجيٍّ جدي أياً كان. لا شك في أنه ثمة بداياتٌ تُمَهِّدُ للتوجهِ صوبَ المُلْكية، ولكنَّ تحويلَها إلى مُلْكيةٍ بِحَق كان سيَتَحَقَّقُ بعدَ ردحٍ طويلٍ من الزمن، وفي ظروفٍ مختلفة. يجب ألا يُستَخلَصَ من سردِنا هذا أنّ المجتمعَ النيوليتيَّ “جنة”، حيث أنّ المجتمعَ بذاته لا يزال غَضّاً نَضِراً، ويَمُرُّ بمرحلةٍ حرجةٍ تَحُفُّها المخاطر، لأنّ مستقبلَه لا يزال مبهَماً، وكذلك بسببِ الظروفِ الطبيعية والمناخية غيرِ المستقرة، وخطورةِ تَمَخُّضِها عن انكساراتٍ وانتكاساتٍ جديةٍ قد يواجهها. والمجتمعُ كان واعياً لذلك يقيناً. وما يَترُكُ بصماتِه على الذهنيةِ بالأصل هو هذه المخاوف. وبحثاً منه عن الحل – ولو لاحَ ساذجاً وبسيطاً – يبدو أنه لَم يَكُ له بُدٌّ مِن تطويرِ ميتافيزيقيةٍ ذاتِ أبعادٍ ميثولوجيةٍ ودينية.

وبموجبِ هذه الشروح، بمقدورنا – وعلى نحوٍ أفضل – إدراكُ معانيَ ميتافيزيقيةِ الحياةِ الجماعية المتمحورةِ حولَ المرأةِ الأم، وما يَنُمُّ عنها من قدسيةٍ وألوهية. فمزايا المرأةِ المماثلةُ للطبيعة في الإنجابِ والتنشئةِ والشفقة والرحمة، ومكانتُها الرفيعةُ المجيدة في الحياة، تَجعلُها العنصرَ الأوليَّ للثقافتَين الماديةِ والمعنوية على السواء. أما الرجل، فدعكَ من أنْ يَكُونَ زوجاً لها، بل لا “ظلَّ” لِحُكمِه بعدْ على جماعيةِ المجتمع، ومن المحال أنْ يكون. فنمطُ حياةِ المجتمع لا يَسمَحُ بذلك إطلاقاً. بالتالي، فأوصافُ الرجل من قَبِيل الجنسِ الحاكم، الزوج، صاحبِ المُلْك، وصاحبِ الدولة تَتَمَيَّزُ بطابعٍ اجتماعيٍّ بحت، وكانت ستَتَطَوَّرُ وتَبرُزُ فيما بعد. فالمجتمعُ آنذاك كان يعني المرأةَ الأم، أطفالَها، وأشقاءَها وشقيقاتِها. ومن المحتمل أنّ الرجلَ المُرَشَّحَ ليكونَ زوجاً كان يُبدي نفعَه بمهاراتٍ أخرى عدا الزوجية، مثلَ الصيدِ وتربيةِ الحيوان والعنايةِ بالنبات على نحوٍ حَسَن؛ ليكونَ جديراً للقبولِ به عضواً. في حين أنّ حقوقَه أو مشاعرَه بالإحساسِ بأنه زوجٌ أو أبٌ لم تَكُ قد نَمَت كظاهرةٍ اجتماعيةٍ بعد. وعلينا ألا نغفلَ أبداً عن أنّ الأبوةَ والأمومةَ مصطلحان وظاهرتان وإدراكان اجتماعيَّان بالأساس، ولو أنهما ليسا خاليَين من الأبعادِ النفسية أيضاً.

متى دخلَ المجتمعُ النيوليتي في الضائقة، أو متى سُعِيَ لِتَخَطّيه؟ من المهم سردُ الشروح في هذا المضمار بالاعتماد على الأسبابِ والدوافع الداخلية والخارجية. فلَربما كان تجاوُزُ الرجل لنقاطِ ضعفه، وتَحَوُّله إلى صيادٍ حاذق، وبلوغُه مكانةً منيعةً مع حاشيته الملتفةِ حوله؛ قد هَدَّد النظامَ الأمومي. كما يُحتَمَل أنْ تَكونَ مهارتُه في تنشئةِ الحيوانِ وتنميةِ النبات قد تَسَبَّبت في ذلك أيضاً. في حين أنّ أغلبَ مشاهداتِنا تُرَجِّحُ لدينا احتمالَ صهرِ المجتمع النيوليتي وحَلِّه بمؤثراتٍ خارجية. ولا ريبَ في أنّ هذه المؤثرات تَتَجَسَّدُ في دولةِ الراهبِ ومجتمعِه المقدَّسَين. وقصصُ أُولى المجتمعاتِ الحضارية في ميزوبوتاميا السفلى وضفافِ النيل تُؤَكِّدُ صحةَ هذا الرأي بنسبةٍ كبرى. فمثلما ذَكَرنا بشكلٍ مُبَرهَن، فثقافةُ المجتمع النيوليتي الصاعدة، وتقنياتُ الريِّ في الأراضي الرسوبيةِ السهلية أدَّيَتا إلى ظهورِ فائضِ الإنتاج الذي يتطلبه هذا المجتمعُ الجديد المتمدِّنُ بِالتَّمَحورِ حولَ فائضِ الإنتاج المتعاظم، والذي نَظَّم أمورَه على هيئةِ دولة، وحَقَّقَ منزلةً مختلفةً للغاية عن طريقِ قوةِ الرجل بالأغلب. والتمدنُ المتزايدُ يعني التبضعَ، الذي يَجلبُ بدورِه التجارة. والتجارةُ من جهتِها تَتَسَرَّب في شرايينِ المجتمع النيوليتي على شكلِ مستوطناتٍ كولونيالية، لِتَنشُرَ معها تصاعدياً التبضعَ والمُلْكيةَ وقيمةَ المقايضة (قيمةُ الاستخدامِ  للأشياءِ Nesne هي السارية في المجتمعِ النيوليتي، في حين أنه تَسُودُ العطايا والهدايا عِوَضاً عن المقايضة)، وتُسَرِّعَ بالتالي من انفكاكِ وانحلالِ المجتمع النيوليتي. ومستوطناتُ أوروك وأور وآشور إنما تُبَرهِن هذه الحقيقةَ بما لا يَشُوبُه أدنى شك.

أما هاتان الثقافتان الماديةُ والأيديولوجية اللتان تَقتاُت عليهما الأقلية، فتُفضِيان إلى مجتمعٍ مريض، ذي وجهَين، غارقٍ في بحرِ المادة، ومبتورٍ تماماً عن الأيديولوجيا البيئويةِ والحرة. وما الحالاتُ التي أَسمَيناها “القضايا الاجتماعية” سوى ثمرةُ هذا التطورِ الدياليكتيكي. ولهذا السببِ بالذات يَنقطع المجتمعُ المديني عن البيئة. أي أنّ هذا الانقطاعَ أنطولوجيٌّ (وجودي)، وليس نوعياً أو ما يتعلق بالماهية كما يُعتَقَد. بمعنى آخر، فَكَينونةُ المجتمعِ المديني تقتضي بالضرورة انقطاعَه عن البيئة. فالبيئةُ والأيكولوجيا – سواء تناولناها بمنظورِها القديمِ وفقَ تكامُلِ الطبيعةِ والمجتمع، أو بتعبيرٍ علميٍّ للغاية وفقَ اتحادِ الطبيعةِ والمجتمع – تقتضي مجتمعاً يَتَحَتَّمُ فيه تَخَطِّي المعاييرِ الأوليةِ المُكَوِّنةِ للحضارة المدينية، أي طبقاتِها ومدنِها ودولتِها. أنا لا أتحدث عن عملٍ فظٍّ للإزالة أو الإفناء، بل يُفتَرَضُ حصولُ التوازنِ والتناغمِ فيما بين الثقافتَين الماديةِ والأيديولوجيةِ لبناءِ مجتمعٍ جديد. فعندما يَعكِسُ هذا المجتمعُ التوازنَ والتناغمَ فيما بين الثقافتَين الماديةِ والأيديولوجية ضمنَ صفوفِه – وبالتالي التحامَهما مع الطبيعة – على شكلِ طبيعةٍ متحررة (أي، الطبيعةِ الثالثة، حسبَ تعبيرِ موراي بوكين)؛ فهذا ما يُمَهِّد الطريقَ في الوقتِ نفسِه للتغلبِ على الخللِ واللاتوازنِ في التناقضِ القائمِ بين الطبيعةِ والمجتمع ضمنَ المجتمعِ المديني.

فعندما أصبحَ استهلاكُ فائضِ الإنتاجِ المتضاعفِ مع التقدمِ الذهنيِّ وتراكُمِ التجربةِ أمراً عسيراً بالعطايا، يَقُومُ الرَّجُلُ الصيادُ المتأهبُ بالعادة بالتفكيرِ في التجارةِ بهذه الكمياتِ الزائدة، ويُرَسِّخُ ذلك في ثقافتِه إلى جانبِ مهنتِه الأصلية. فتَراكُمُ الغلالِ المختلفةِ المدَّخَرَةِ في مناطقَ مختلفةٍ قد فَرَضَ بِدءَ الظاهرةِ المسماةِ بالتجارة. فماهيةُ تبادلِ الحاجةِ من الغلالِ على نحوٍ أفضل قد وَلَّدَت التجارةَ والتُّجَّارَ كمهنةٍ أو كثاني تقسيمٍ اجتماعيٍّ بارز للعمل. ويتم شرعنتها، ولو بمشاعرَ مفعمةٍ بالتردد والاستحياء. ذلك أنّ الغِلالَ المنقولةَ تُنَمِّي تقسيمَ العمل، الذي بدورِه يُمَكِّنُ من تأمينِ إنتاجٍ أفضل وحياةٍ أغنى. عندما تتضاعَفُ الغلالُ والنسيجُ في طرف، ومكامنُ المعدنِ في الطرفِ الآخر، تَكُونُ التجارةُ أمراً ذا معنى.

 

 

يتبع………..

التعليقات متوقفه