عبدالله اوجلان حول الاقتصاد -8

0

الفصل الرابع 

الرأسمالية ليست اقتصاد بل هي عدوة الاقتصاد

ج- معطياتٌ حول عدمِ كونِ الرأسمالية اقتصاداً:

إنّ المعطياتِ التي في حوزتنا ضاربةٌ للنظر، ليس من حيث كونِ الرأسمالية ليست اقتصاداً فحسب، بل والأنكى أنها ضدّ الاقتصاد أيضاً.

١- الأزمات الاقتصادية. إنّ فريقَ الرهبان “الوضعيين – العلمويين” الساعين لِبَرهَنَةِ كونِ الرأسماليةِ نظاماً اقتصادياً يَفهَمُون قضيةَ الأزمات ويُفهِمُونها على نحوٍ خاطئ. ثمة إيضاحٌ واحدٌ فقط للأزمات الاقتصادية. وهو يَكمُن في هويتها (الرأسمالية) المعاديةِ والمضادةِ بشدةٍ للاقتصاد. يُصاغُ أحياناً تعريفٌ يشير إلى أنّ الأزماتِ تنبع من الإنتاج الزائد. فمن جهة، ثمة القسمُ الأعظم من العالَم وهو يتقوض من الجوع، ومن جهة أخرى، ثمة زيادةٌ في الإنتاج! يُبَرهَن بالأكثر على كون الرأسمالية مضادةً للاقتصاد عن طريق هذا النوع من الأزمات المُبتَدَعة عن قصدٍ ووعي. وسببها واضحٌ للغاية: ربحُ الاحتكار. فعندما لا تكفي الحصصُ المتروكة للقوى الكادحة المنتجة – والتي تكاد لا تساوي شيئاً – لقوةِ الشراء، يظهر ما يسمى بالأزمات. أو بالأصح، يتم اختلاقها. وفي هذه الحالة، أيُّ راهبٍ مزيف – أو بالأحرى ما يسمى بالاقتصادي – يأتي للنجدة؟ إنه كينز ! وما الذي يقوله؟ على الدولة أنْ تُزيد النفقات. كيف؟ بِرفعِ قوةِ الشراء لدى الكادحين! وكيف تنكشف اللعبة بكلِّ قبحها؟ ستقوم بإفراغِ جيبك من جهة، وستُملِئُ جيبك الآخرَ بِيَدِك الأخرى! إنها سياسةُ إبرازِ الموت للكادحين وكلِّ المجتمع الخارج عن المدنية على أنه أشبه بالعسل، لاسترضائهم بقبول الحمَّى. واضحٌ جلياً أننا وجهاً لوجهٍ أمامَ علاقةٍ سياسية.  حيث يتم تجويعُ القوى الديمقراطية المناهِضة للمدنية أولاً، عندما يُراد قمعُ عمليتِها وممارستها. ثم يُدفَع بها إلى التوسل لإشباعِ بطونها. إننا في مواجهةِ أقدمِ تكتيكاتِ الحرب: إنْ كنتَ تود فرضَ الاستسلامِ على شعبٍ (أو مدينة ما)، فما عليك إلا محاصرته وتجويعه أولاً! ثم تعمل على إشباع بطنه مقابل الاستسلام!

يمكنني البرهنةَ من خلالِ مئاتِ الأمثلة على أنّ هذا هو المضمونُ الحقيقي لنظريةِ الرأسمالية في الأزمةِ المزيفة. فلو حللنا فقط أزمةَ عام 1930 الشهيرةَ، نكون قد فكَّكنا المنطقَ برمته. ما الذي يجري في تلك المرحلة؟ يغدو الاتحاد السوفييتي، الذي يرفض هيمنةَ إنكلترا، نظاماً راسخاً وظافراً، بل ويهدد العالَم المسمى بالرأسمالي. وفي أوروبا، كان الألمان والتابعون لهم بيمينييهم ويسارييهم يقاومون معاهدةَ الاستسلام المفروضة عليهم بشروطٍ ثقيلة. والصين تُدِير عصياناً قروياً ضخماً بقيادة ماو . في حين كانت بلدانُ المستعمَرات وأشباهِ المستعمَرات، وعلى رأسها الأناضول، منتفضةً في كلِّ أنحاءِ العالم ضد الهيمنةِ الإنكليزية. أما الجواب الذي أعطته الهيمنةُ الإنكليزية العالمية لهؤلاء، فكان أزمةَ 1929 – 1930 المقصودة. فتكَدَّست السلعُ كالجبالِ الشاهقة في طرف، والكادحون والشعوب المُتَضوِّرة جوعاً في الطرف الآخر. إنّ علاجَ كينز الإنكليزي يُميطُ اللثامَ عن كلِّ شيءٍ: إنها فرصةُ الكادحين والشعوب في البقاءِ أحياءً بمنحهم الفتات، أي بما يُسمى بسياساتِ الدولة الاجتماعية. وماذا كانت نتيجةُ “سياساتِ الدولة الاجتماعية الرأسمالية” تلك؟ تراجُع المجتمعِ والحضارة الديمقراطية العالمية مقابل تنامي القوة المهيمنة الجديدة، وتحريفهما وصهرهما خطوةً خطوة بالتزامن مع احتلالِ السوفييت في تشرين الأول؛ ثم الإعلان رسمياً في أعوام التسعينيات عن إزالةِ النظام السوفييتي، عبر سياساتِ الهدم الداخلي المبتدئة قبل ذلك بكثير (سياسات ستالين اللاديمقراطية، أي ديكتاتوريته في أعوام 1930. لماذا؟ لأجل تلافي تأثيراتِ أزمةِ 1929 – 1930. ومَن الذي أُبعِد وأُزيل؟ ستالين وفريقُه، والاقتصادُ السوفييتي). فضلاً عن إفراغِ الدول التحررية الوطنية من مضمونها الاجتماعي (من مضمونِ الثورة الديمقراطية والمجتمع الديمقراطي)، وإرفاقِها بالنظام الرأسمالي المهيمن. هذا هو الغرضُ الرئيسي من كلِّ الأزمات، والذي تم بلوغه بتأمينِ استمراريةِ وجودِ النظام المهيمن بوساطةِ سياساتِ الدولة المقصودة، أو تَكونُ قد تجاوزت مرحلةً حرجةً على الأقل.

٢- بمقدورنا تقييمَ الأزمات المعتمدة على العَوَز والفاقة أيضاً في نفسِ الفئة. أي، فرض التخلي المقصود عن إنتاجِ السلع والبضائع، أو جعل الأناسِ يأملون المددَ والعَونَ ليأسهم وعجزهم عن مواجهةِ الأمراض والآفات. حيث يستحيل التفكير بمجاعةٍ جديةٍ أو أمراضٍ جماعيةٍ حشديةٍ بوجودِ التقنيات والمعدات القائمة. ولكن، عندما يَكُون الهدفُ هو قضيةُ وجودِ النظام السلطوي المهيمن، يتم اللجوء إلى هذا النوعِ من الأزمات المصطنعة، واستخدامُ الأمراضِ والكوارث كورقةٍ رابحة. ومرةً أخرى نستطيع – بكلِّ سطوع – ملاحظةَ وتفسيرَ روابطِ الجهازِ المسمى بـ”المجتمع والاقتصاد الرأسمالي” مع القوةِ المدنية الرسمية المهيمنة. الطريقةُ هي نفسها: اتركه جائعاً، واستغل حالةَ الأمراضِ والكوارث لديه! بل وتَكُون حينها قد برهنتَ أنك الملاك، بل والإله المنقذ. وليشكرك العبادُ جزيلَ الشكر!

٣- ينبغي الاستيعابَ جيداً أنّ الرأسماليةَ ليست مضادةً للاقتصاد وحسب، بل وللمجتمعِ أيضاً. لقد سعت روزا لوكسمبورغ  منذ زمنٍ بعيد للبرهنةِ نظرياً على استحالةِ رَسمَلَة المجتمعِ أجمع، وعدمِ إمكانيةِ حصولِ ذلك. حسبَ رأيي، لا داعي كثيراً للنظرياتِ الدقيقة في هذا الشأن. إذ يستحيل عليك إنتاجَ سلعةٍ للبيع بهدفِ الربح، إذا ما انقسمَ الجميع، أي المجتمع برمته، إلى عاملٍ ورأسمالي! إليكم مثالاً بخطوطٍ عريضة: لنفترضْ وجودَ مصنعٍ يعمل فيه مائةُ عامل. ولينتج العمالُ مائةَ سيارة. وليكن المجتمعُ مؤلفاً من مائةِ عامل زائداً شخصٌ واحدٌ رأسمالي 100 + 1 (باعتبارِ أنّ المجتمعَ مؤلفٌ فقط من العمال والرأسمالي، وهذا هو الحدث المسمى بالمجتمع الرأسمالي. وهذا بالطبع الضلالُ الكبير لقسمٍ من الماركسيين على الأقل). لِنَقُم ببيعِ السيارات المائةِ كي يأتينا الربح. ولنفترضْ أنّ العمالَ المائةَ قد اشتروا السيارات بأجورِهم. فماذا يتبقى لربِّ العمل؟ صفر باليد. إذن، ينبغي أنْ يتواجدَ دائماً المجتمعُ غير المُرَسمَل – أو حسب تحليلي للنظام، إنه “المجتمع الديمقراطي المناهض للمدنية” – كي يتمكن المجتمعُ المديني من الاستمرار. وكذا أمرُ “المدنية الرأسمالية” كقوةٍ مهيمنةٍ جديدة، حيث لا يمكن أنْ تتواجد إلا على أرضيةِ التضادِّ مع المجتمع الديمقراطي، بل والعداءِ التعسفي للمجتمع الديمقراطي في أزمنةِ الممارسات والنشاطات الميدانية. إنها تتواجد إما بالحرب أو السلم. ومثلما الحالُ في التاريخ الحضاري برمته، ثمة عددٌ لا يعد ولا يحصى من الحروب والوقائع التي تؤيد صحةَ هذا السرد في تاريخِ المدنية الرأسمالية أيضاً.

٤- البطالة. إنّ الرأسماليةَ – كنظام – مضطرةٌ للاحتفاظِ بجيشٍ من العاطلين عن العمل كقوةٍ احتياطية، بهدفِ الإبقاءِ على ارتفاعِ معدلِ نسبةِ الربح الواردِ من فائضِ القيمة. بل وهي مرغمةٌ على خلقه إنْ لَم يَكُن موجوداً. أي أنّ البطالةَ مرحلةٌ مبتَدَعةٌ عن قصدٍ ووعي. وبينما يَكُون أبسطُ أنواعِ الحيوانات والنباتات مفيداً لشيءٍ ما، كيف يُترَك كائنٌ مثل الإنسان عاطلاً بلا فائدة؟ مثلاً؛ هل يمكن وجودَ نملةٍ عاطلة؟ فإذا كانت حتى النملةُ عاجزةً عن العطالة والبطالة، فكيف لكائنٍ راقٍ كالإنسان أنْ يَكُون عاطلاً؟ لا مكانَ لاصطلاحِ البطالة في الكون. ولا يمكن إلا أنْ تَكُونَ البطالةُ منتوجَ الذكاءِ التحليلي المنحرفِ الشاذ، ويتم ابتكارها كزيفٍ اصطناعي، والحفاظ على حيويتها وانتعاشها كعمليةٍ هي الأكثر وحشيةً في الحياة الاجتماعية. ما مِن حدثٍ بقدرِ “البطالة” قادرٌ على كشفِ النقاب عن العداءِ المستميتِ للنظام الرأسمالي تجاه الحياةِ الاقتصادية. فحتى في نظامِ فرعون، الذي نُكيل له الانتقاداتِ اللاذعة، لا مكانَ لاصطلاحِ “العبدِ العاطل”. فكيفما يستحيل وجود فرعونٍ عاطلٍ عن العمل، فكذا من غير الممكن التفكير حتى بمصطلحِ العبد العاطل. إذ كان للعبدِ والرقِّ قيمته وعملُه على الدوام. لا تتواجد البطالةُ، أي العداءُ المستميتُ تجاه الاقتصاد، إلا في الرأسمالية وحسب.

٥- الرأسماليةُ عدوُّ التقنيةِ الاقتصادية أيضاً. فالمستوى العلمي والتقني القائم قد ارتقى على شاكلةٍ تُخَوِّلُ أيَّ مجتمعٍ كان – سواءً سميناه “مجتمعَ الرفاه” أو “مجتمعَ الجنة” – للاستمرار في وجوده بكلِّ سهولة على الصعيد السياسي كمجتمعٍ ديمقراطي، ولحلِّ مشاكله وقضاياه على الصعيد الاقتصادي. إلا أن “قانونَ الربح” في النظام الرأسمالي يعرقل التطبيقَ الأمثل (النمط الأكثر عطاءً) لهذا المستوى العلمي والتقني في تلبيةِ احتياجاتِ الإنسان. فلولا قانون الربح، لكانت الآفاقُ الموجودةُ للمنجزات العلمية والتقنية قادرةً على إيجادِ شتى أنواعِ الحلول اللازمة، وبكلِّ سهولة، على صعيدِ صياغةِ اقتصادٍ مرتَّبٍ وممنهج فقط بما يلبي احتياجات الغذاء للإنسان. إلا أنه لا يُسمَح باستخدامِ هذه الآفاق أو الاستفادةِ منها كلياً في أيِّ وقتٍ من الأوقات. وبالعكس، يتم السعي للاستمرارِ في بقاءِ وجودِ المدنية الرأسمالية، عن طريقِ خلقِ واختلاقِ الأزمات والبطالة والتضخمات الاجتماعية بشكلٍ دائم. إذن، والحال هذه، فالرأسماليةُ ليست فقط عدوَّ الاقتصاد، بل وهي عدوُّ العلم والتقنية القادرَين على تحقيقِ وتطبيقِ الاقتصاد في المستوى الأمثل.

٦- الرأسماليةُ عدوُّ الأخلاقِ والقِيَمِ المعنوية أيضاً، باعتبارها من أهمِّ مبادئِ الاقتصاد. حيث يستحيل على البشرية ترتيبَ احتياجاتها الاقتصادية إلا عبر المبادئِ الأخلاقية. ففي حال العكس، ستُصاب بالتضخم – كما هي حالُ النمل على سبيل المثال – ولن تكفيها حينئذ عشرةُ كواكبٍ مثل الأرض. وإنْ غابت الأخلاقُ، فسيتم التحول إلى “مجتمعِ الأُسُود”. عندئذ، لن تبقى مواشي أو حيواناتٌ تُؤكَل. وبالتالي، لن يبقى للأسد أيضاً ثمة عالَمٌ يُعاش. أي، إنْ لم يتم وضع حدٍّ الرأسمالية وإيقافها، فإما أنها ستُحَوِّل المجتمعَ إلى “مجتمعِ النمل” وتبلغ به شفيرَ الهاوية والانهيارِ (وضع الصين واليابان مثلاً)، أو ستجعله “مجتمعَ الأُسُود” (المجتمع الأمريكي على سبيل المثال). واضحٌ جلياً أنّ فرصةَ المجتمع البشري في الاستمرار والسيرورة ستتناقص تدريجياً، إذا ما صار كلُّ مجتمعٍ على غرارِ أمريكا أو الصين واليابان. لقد ضحت الرأسماليةُ هنا أساساً بالمبدأ الأخلاقي كَرمى لـ”الاقتصاد الرأسمالي” المزعومِ المفترَض. في وقتٍ ما، كان الأطفالُ والبناتُ يُقَدَّمون كقرابين لأنهم زيادة، حيث لا يمكن الاستمرار في ذاك المجتمع، إلا بالتضحية بالإنسان عبر أخلاقٍ كهذه، هذا إنْ وُجِدَت. علماً بأننا إذا نظرنا إلى كافةِ الحروب ذاتِ الطابع الرأسمالي على أنها “طقوسُ ومراسيمُ التضحيةِ بالإنسان”، فسندرك على نحوٍ أفضل ماهيةَ ونوعيةَ “مبدأ الاقتصاد الرأسمالي” – أو لاأخلاقياته – الذي أمامنا. فهذه اللاأخلاقيات لا تُدَمِّر النُّسُجَ الاجتماعيةَ الداخلية للمجتمع وحسب، بل وتتحكم لأولِ مرةٍ بالبيئة والطبيعة أيضاً، لتمارسَ عليها مجزرةً كبرى تبلغ حداً لا يهدد حياةَ الإنسان فقط، بل وكلَّ الحياة الحيوية أيضاً. فهل مِن لاأخلاقيات أشنع، أو عداءٍ للحيويةِ أفدح؟

٧- الرأسماليةُ عدوُّ المرأة، التي تُعَدُّ القوةَ الأمَّ الخالقةَ للاقتصاد. كلُّ تحليلاتنا تبرهن أولويةَ منزلةِ المرأة ورفعةِ مستواها في الحياةِ الاجتماعية، وأسبقيةَ قيمتها الاقتصادية. إنّ حقيقةَ “المرأة المُبعَدَة عن الاقتصاد” الموجودةَ على طولِ سياقِ التاريخ الحضاري، بدأت تعيش أكثر مراحلها إجحافاً وجُوراً في عصرِ المدنية الرأسمالية، لتغدوَ بذلك تناقضَ المجتمع الأكثرَ عمقاً ولفتاً للأنظار. فقد تُرِكت نسبةٌ ساحقةٌ من الجماهير النسائية عاطلة. ورغم كونِ أشغالِ المنزل من أصعبِ الأشغال، إلا أنها لا تساوي خمسةَ قروش. ورغم أنّ إنجابَ الطفل وتنشئتَه من أصعبِ الأعمال في الحياة، فهو لم يَعُد بخسَ القيمة وحسب، بل وبات التفكيرُ يَسُودُ بكونه بلاءً مسلطاً. إنها (المرأة) ماكينةٌ رخيصة، عاطلة، منجبةٌ ومربية للأطفال بألفِ مشقةٍ ومشقة. وهي بالمقابل بلا أجر، بل وحتى مذنبة! لقد وُضِعَت المرأة في الطابق الأسفل من المجتمع على مَرِّ التاريخ الحضاري. ولكن، ما مِن مجتمعٍ استطاع امتلاكَ قوةِ استغلالِها بقدرِ ما هي الرأسمالية، التي تطبقها عليها، وبمنوالٍ ممنهَجٍ ومنسَّقٍ للغاية. ففي هذه المرة، باتت المرأةُ موضوعَ Nesne اللامساواة واللاحرية واللاديمقراطية، ليس في الطابق السفلي وحسب، بل وفي جميع طوابق المجتمع! والأنكى من ذلك، أنه يتم تعويدُ الإنسان بِعَوراته ومحرماته، وترويضُه على سلطةِ المجتمع الجنساني، بالإكثار منها بكثافةٍ وَحِدَّةٍ لا نظيرَ لها في أيةِ مرحلةٍ من التاريخ؛ وتحويلُ المرأة إلى صناعةٍ جنسية، واستفحالُ التعذيب في كافةِ طوابقِ المجتمع، وتصعيدُ “المجتمع الذكوري المهمين” إلى حَدِّهِ الأعظم في عهدِ المدنية الرأسمالية، وكأنها تنتقم من “الأكونوموس”، أي من الذات الخالقة للاقتصاد؛ لتبرهن بذلك عداءها للمرأة والاقتصاد في كلِّ مكانٍ وكلِّ زمانٍ منها!

٨- تبرهن الرأسماليةُ بما يزيد عن الحد، وتسرد علناً أمامَ عيونِ المجتمع أجمع مدى عدائها للاقتصاد، وعدمِ اهتمامها بالاقتصاد الحقيقي؛ وذلك من خلال إيصالِ ما يُسمى سوق “البورصة، أسعار الصرف والمبادلة، والربا” إلى الذروة في مرحلة العولمة الأخيرة منها، وتحويلِها إلى ألعوبةِ النقود الورقية. مرةً أخرى نلاحظ أنه لم يُحَوَّل الاقتصادُ إلى ألعوبةٍ ورقيةٍ من هذا النوع، وإلى نظامٍ افتراضيٍ بهذه الشاكلة في أيةِ مرحلةٍ من التاريخ. فلطالما نُظِرَ إلى الاقتصادِ على أنه أكثر أنسجةِ المجتمعات حساسيةً وَرِقّة، وخُلِعَت عليه مسحةٌ من القداسة (ينحدر مصدرُ كلمةِ القداسة إلى المجتمع السومري، حيث تُربَط بمصطلحِ الغذاء). حيث اعتُبِرَت التغذية من أهمِّ القضايا، وسُعِي لِحَلها وتحليلها. كما تميزت في جميع الأديان بجانبٍ إيضاحيٍّ مرتكزٍ إلى الضمان الاقتصادي. فالأعيادُ تُرَتَّبُ في أوقاتِ الرفاه والغنى الاقتصادي، أو على الأقل استذكاراً لمراحلِ الخروج من الأزمات والمآزق. لقد كَشَفَ كارل ماركس عن الماهيةِ الحقيقية للاقتصاد، باعتباره – عن وجه حق – هاماً بدرجةٍ يُعَبِّر فيها عن مجموعِ الخصائصِ المؤثرة في شتى ميادينِ المجتمع ومجالاته. حيث يوضح (ماركس) كيف تم إخراجُه من كونه مجالاً لتكاثفِ الذكاء العاطفي والتحليلي، وربطُه بألاعيبِ المال – الورق، وتحويلُه إلى أكثرِ ميادينِ الذهنيةِ التحليلية المُضارِبة بلادةً ولامبالاةً وانقطاعاً عن الحياة الحقيقية. فهي تتداول مليارات الدولارات (المال العالمي) على الصعيد العالمي خلال ساعاتٍ قليلة، عبر التلاعبِ بأسعارِ الصرفِ والمبادلة والسندات، وعبر الربا والفائدة، ودون أنْ تَبذل أيَّ كدحٍ بتاتاً. فبينما يَطوف نصفُ البشريةِ على حدودِ المجاعةِ والبؤس المدقع، من العصيب تصورَ نظامٍ يمكنه عكسَ تضادِّه مع الاقتصاد إلى العَيان بقدر هذا النوع من الحوالات القِيَمِيّة. إنّ الرأسماليةَ في مرحلتها الأخيرة المسماة بعصرِ التمويل، وبوجهها هذا فقط، تبرهن – بما فيه الكفاية – مدى عدمِ جدواها، ومدى كونها نظاماً خارجَ الاقتصاد، بل ومعادياً للاقتصاد.

٩- لقد أَحكَمَت الرأسماليةُ قبضتَها على أهمِّ ميدانَين في الاقتصاد، ألا وهما الإنتاج والاستهلاك، ووضعت ثِقَلَها على السياسات الهادفةِ – فقط وفقط – إلى جنيِ الربحِ الأعظمي، دون الاكتراثِ باحتياجاتِ المجتمعات الحقيقية من مأكلٍ وملبسٍ ومسكنٍ ومواصلات؛ لتخلق بذلك أزماتِ الإنتاج والاستهلاك المصطنعة – مثلما بيَّنَّا آنفاً – وتُدَمِّر بناها من الجذور. ومن بعض الأمثلة التي يمكن سردها: إيصالُ التسلحِ إلى أبعادٍ رهيبةِ تتصدرها الأسلحةُ النووية، رغم أنه لا علاقةَ له البتة بالبنى الإنتاجية والاستهلاكية الحقيقية لكدحِ البشرية، أو أنها ليس من أولوياته، بل، وعلى النقيض، يتسبب بمخاطرَ جديةٍ لها؛ واستثمارُ مصادرِ الطاقة الكربونية بهدفِ الأرباحِ الهائلة، رغم تمخضها عن كوارثَ بيئيةٍ فظيعة؛ والزراعةُ المُعَدَّلةُ هرمونياً؛ والاستثمارات الضخمة الباهظة مثل تقنية الفضاء وخطوطِ المواصلات البرية والبحرية والجوية، رغم العلم بمدى التلوثِ الكبير الناجمِ عنها؛ والاستثماراتُ غير المحسوبة في إنتاجِ نفسِ السلعة بمئاتِ النسخِ إرضاءً لطيشِ الموضة الجنوني. هكذا، ومن جهةٍ نجد تراكمَ الأشياء المتكدسةِ كالجبال بشكلٍ طائش في مجالاتٍ لا نفعَ منها، وبالتالي، افتقادَها صلاحيةَ الاستهلاك، وتركَها للتفسخِ والاهتراء بسببِ عدمِ مقايضتها؛ وفي الجهة المقابلة نجد الانكساراتِ النابعةَ من المجاعاتِ والأوبئةِ بسببِ العجز عن قدرةِ الاستهلاك. وجيوش البطالة! إنّ السوءَ والعداءَ الذي عجزت أيّةُ حربٍ أو كارثةٍ طبيعيةٍ عن إلحاقها بالمجتمع البشري على مَرِّ التاريخ؛ يَقُوم الشكلُ الاقتصاديُّ المسمى بالرأسمالية بتحقيقه. بل إنها تنجزه بالضغط والتضييق على الشرايين الحياتية للاقتصاد، واستئصالها، وتركيب الشرايين الاصطناعية بدلاً منها.

 

يتبع…….

التعليقات متوقفه