عبدالله اوجلان حول الاقتصاد -6

3

الفصل الرابع

الرأسمالية ليست اقتصاد بل هي عدوة الاقتصاد

 

آ- الاقتصادوية.

 

تندرجُ في هذه الفئةِ تلك الآراءُ القائلةُ بأنّ ولادةَ الرأسماليةِ نتيجةٌ طبيعيةٌ للنموِّ الاقتصادي. ونخصُّ بالذكر الماركسيةَ المُختَزَلةَ إلى ضربٍ من ضروبِ الاقتصادوية. حيث سَعَت على الدوامِ إلى النظرِ للرأسمالية وكأنها نموذجٌ اقتصاديٌّ لا محال. ووُضِعَ الاقتصادُ السياسي في الزاويةِ الركن من علومِ الاجتماع. كما ضُبِضَت بعضُ القراراتِ المُتَّخَذَةِ بشأنِ الحياة الاقتصادية كعلمٍ بحدِّ ذاته لدى تشكيلِ الدولةِ العصرية، لِتَكون اسماً على مسمى.

والرأسمال – أي جنيُ رأسِ المال الذي يَدُرُّ الأرباحَ بالاعتمادِ على استغلالِ الأسعارِ المعروضةِ في السوق – قد لعبَ دوراً هاماً في ظهورِ هذا الرأي. حيث بَرزَت ميولٌ تدَّعي إمكانيةَ حصولِ التطورِ الرأسمالي بشكلٍ معزولٍ عن التاريخِ والمجتمعِ والسلطة، أي بشكلٍ منعزلٍ عن السياقِ الحضاريِّ ككل. وهنا تكمن المفارقة. حيث أنّ الزاعمين بمناهضتِهم الصارمةِ للرأسمالية قد ارتَقَوا بها إلى منزلةٍ لا تستحقُّها إطلاقاً تحت اسمِ الصراعِ تجاهها.

يمكن فهم الاختصاصيين في الاقتصادِ السياسي، المنحدرين في أصولهم إلى إنكلترا. ومن المُنتَظَرِ أنْ يَجعَلوا الاقتصادَ نموذجاً جديداً في البلدِ الذي انتصرَت فيه الرأسمالية. وتَعَمُّقُ كارل ماركس في هذا النموذج هامٌّ للغاية ومنيرٌ للعقول، من حيث انتقاداتِه الموجَّهَةِ إلى الإنكليز المختصين في الاقتصادِ السياسي. وسوءُ الطالعِ يكمن في عدمِ إكمال ماركس لموَلَّفه هذا، وقيامِ الماركسيين اللاحقين له بتحويلِه إلى صورةٍ هزليةٍ كاريكاتوريةٍ بكلِّ معنى الكلمة. ويمكن إيضاح نقصِه الأكبر في عدمِ تحليلِه الممنهجِ للعلاقةِ بين السلطةِ والدولة والرأسمالية. لقد عَمِلَ على إيضاحِ دورِ الأيديولوجيا، بينما تَعاطيه مسائلَ ذهنيةِ الرأسماليةِ قديرٌ وكفوءٌ في بعضِ الأماكن.

لكنّ ضلالَه الأساسيَّ يكمن في عملِه أساساً بوجهةِ النظرِ الوضعية، تلك الأيديولوجيةِ المُحَبَّذة في حركةِ التنوير التي كانت تَرَكَت بصماتِها على الوسطِ الفكري الثقافي منذ أمَدٍ بعيد. لقد كان مقتنعاً، بل ومؤمناً دون أيةِ شائبةٍ من الشكِّ أو الظن، بإمكانيةِ صياغةِ العِلمِ الاجتماعيِّ على منوالِ العلومِ الفيزيائية. وهذا التعاطي قد جَعَلَ إنجازه القَيِّمَ جداً بصددِ “رأس المال” عقيماً، ومَهَّدَ الطريقَ لِتفسيره على نحوِ كتابٍ دِيني أكثرَ من أنْ يَكُونَ بحثاً. وما يقومُ به المريدون من أعمال أمرٌ واضحٌ وبَيِّن. أما منجزاتُ لينين بشأنِ الإمبريالية، الرأسماليةِ الاحتكارية، والدولةِ والثورة؛ فهي جهود لم تَتَعَدَّ آفاقَ فلسفةِ التنوير. ورغمَ العديدِ من آرائه المفيدةِ القَيِّمة، إلا أنّ عجزَه في طرحِ آفاقٍ فكريةٍ قادرةٍ على تَخَطّي الحداثةِ الرأسمالية كان مؤثراً أولياً في فشلِ التجربةِ السوفييتية.

تفسيراتُ الفوضويين أيضاً بشأنِ الرأسمالية يغلبُ عليها الطابعُ الاقتصادي. فقد تَمَسَّكوا بالميولِ التي تظن أنّ الحكمَ بدحضِ الرأسماليةِ اقتصادياً كافٍ لانهيارها. إنها آراءٌ أُفسِدَت على يدِ الوضعية: للعِلمِ قوانينُه، والاقتصادُ عِلم، بالتالي، فله أيضاً قوانينُه. وبموجبِ هذه القوانين، يستحيلُ على الرأسماليةِ العيش لأنها نظامٌ يُنتِج الأزمات. وما يتبقى عمله هو تسريعُ تفعيلِ هذه القوانين. وفي المحصلة ستنهار الرأسماليةُ، وستُشَيَّد الشيوعية! يتخفى وراء هذه الآراءِ عدم التعريفِ السليم بالواقع الاجتماعي. ذلك أنه للمجتمع عموماً نظامُه، بل وحتى فوضاه الخاصةُ به، والتي تعملُ كلياً خارجَ نطاقِ أيديولوجياتِ الحركةِ التنويرية. وبقدرِ تباينِه البارزِ على الصعيدِ النوعي مع العلومِ المسماةِ بالوضعية، بكافةِ ذهنياتِها وبناها المؤسساتية، وبما فيها الاقتصاد أيضاً، علاوةً على كونِ حالة الممارسةِ والعمل لديه فوضوية غالباً؛ فهذا ما يقتضي حلولاً ونشاطاتٍ عمليةٍ بمواقف مختلفةٍ كلَّ الاختلاف.

وعلى ضوءِ هذه الانتقاداتِ يمكننا جعل الروابطِ بين الاقتصادِ والرأسمالِ، أي نظامِ رأس المال، مفهومةً على نحوٍ أفضل. التحديدُ الأولُ الذي علينا القيامُ به – وإنْ لاحَ ذلك تناقضاً ظاهرياً – هو اعتبارُ الرأسماليةِ ليست اقتصاداً. فتحليلُ الرأسمالية كنظامٍ سياسيٍّ سيُقَرِّبُنا أكثر من إدراكِ الربحِ الكامن في مكنوناتِها الجوهرية. ومن المهمِّ هنا عدمَ الوقوعِ في اختزاليةِ السلطة والدولة. أي، علينا ألا نقفزَ ونَثِبَ من الاقتصادويةِ إلى السلطوية. ولو أنّ عالِمَ الاجتماعِ ماكس فيبر قد فَسَّرَ الرأسماليةَ بذاتِها على أنها طريقة (مذهب)، لَكانَت فرصتُه في إيضاحِها أكبر، بدلاً من تقييماتِه في مُؤَلَّفِه “الأخلاقُ البروتستانتية وروح الرأسمالية”. في حين أنّ فرناند بروديل يسعى لإيضاحِ ولادةِ الرأسمالية بعقدِ روابطِها مع تأسيس الاحتكارِ ارتكازاً على الأسعارِ الدائرةِ في السوق. ورغمَ كونِ تحليلاتِهم جميعاً، بما فيهم ماركس أيضاً، تتميز بأهميةٍ ملحوظة، إلا أنّ نقصهم الأساسيَّ يكمن في تناولهم الأمر بالإيضاحِ الاقتصادي، وكأنه ضرورةٌ محتومة.

وحسبَ رأيي، فالرأسماليةُ هي شكلُ المجتمعِ الذي سادَ أوروبا الغربية اعتباراً من القرنِ السادس عشر، انتَظَمَت على الصُّعُدِ العسكرية والسياسيةِ والثقافية استمراراً لتقاليدَ قديمةٍ تَتَّبِع أساليبَ المكرِ والحيلةِ المُنَظَّمةِ والممنهجةِ على أساسِ نهبِ وسلبِ القِيَمِ الاجتماعية، وفي مقدمتِها المدخراتِ المادية. هذا ويمكننا تعريفُ ولادتِها أيضاً على أنها الحلقةُ العصريةُ لتقاليدِ النهبِ التي لجأَ إليها أولُ رجلٍ قويٍّ بِمَعِيَّةِ مجموعتِه السَّلابةِ النَّهَّابةِ الملتفةِ حوله، والتي نَهَبَت القِيَمَ الاجتماعيةَ الملتفةَ حولَ المرأةِ – الأم. إنها الممارسةُ العمليةُ التي قامَت بها المجموعاتُ الرأسماليةُ الأولى بالتداخلِ مع الدولة. تلك المجموعاتُ البارزةُ في إنكلترا وهولندا، ومن قَبلِها في مدائنِ جنوى ، فلورنسا ، والبندقية  التي تَتَصَدَّرُ الدولَ المدنَ في إيطاليا؛ والتي تنفردُ بأنماطِ حياةٍ خاصةٍ بها وكأنها مذهبٌ بِحَدِّ ذاته، وتُبدِي مهاراتِها في المُضارَبةِ على الأموالِ بالاستفادةِ من التجديداتِ التي قامت بها، والنَّهَّابَةِ السَّلابَةِ لِكَمٍّ هائلٍ من القِيَمِ بالتلاعبِ بالأسعارِ الدائرةِ في الأسواقِ المنتشرةِ في كافةِ أصقاعِ المعمورة، والتي لا تتوانى عن اللجوءِ المستمرِّ للعنفِ الشديدِ عند اللزوم، وتتميز بِرُقِيِّ ذكائِها التصوري. وتُسَمَّى هذه المجموعاتُ في بعضِ الأماكن بالسلالةِ أو الشرائحِ الأرستقراطيةِ أو البورجوازية. والفرقُ الوحيدُ الهامُّ بينها وبين اللصوص النشالين في العصورِ الأولى والوسطى، هو تَمَوقُعُها في المدن، وتَداخُلُها مع سلطاتِ الدولة، واستعمالُها العنفَ لدى الحاجة بشكلٍ أكثر ستراً وبالدرجةِ الثانية. فظاهرياً، ثمة قوانينُ للاقتصاد، وتلك المجموعاتُ أيضاً تربحُ بالاستناد إلى ذكائها وأموالها الأولى المُدَّخّرة بحوزتها. لو نبشنا ونَقَّبنا على منوالٍ صحيحٍ في تاريخِ الرأسمالِ، سنجد هذا السلوكَ جديراً بأنْ يَكُونَ حكايةً حقاً.

لم يَكُ هناك أيةُ قوانين اقتصاديةٍ في الحروبِ الاستعمارية التي تَحَقَّقَ فيها الادخارُ والتكديسُ لأولِ مرة. فالبرتغال، إسبانيا، هولندا، إنكلترا، وفرنسا، ومن قبلهم مستوطناتٌ مثل مدائنِ البندقية وجنوى؛ قد أَمَّنوا أولَ مدخراتهم من الرأسمالِ باللجوءِ كلياً إلى العنفِ المباشر العلني. وليس عسيراً تحديدُ هذه الحقائق، سواءً في أسواقِ البلدان القريبة، أو في المناطقِ المستَعمَرة. وقد اشتُقَّت شريحةُ الأسيادِ لاحقاً من الأربعين حرامي، ونشأَ الأغوات. أما تسميةُ الأربعين حرامي المعاصرين بالأسياد البورجوازيين، فلا وزنَ له سوى كونه موضةً دارجة. في حين تتمثل الوظائفُ الأوليةُ للضوابطِ المسماةِ بِعِلمِ الاقتصاد في الاستمرارِ بالإبقاءِ على جوهرِ الأمرِ دفيناً مستوراً. وأيةُ نظريةٍ تُقَدِّم طرحاً ناجحاً في هذه المواضيع، فسوف يَتُمُّ تَلَقّيها كمُنجَزٍ رئيسي، وستُكافأ عليها. من هنا، ما مِن علمٍ تلاعَبَ بالحقائقِ وقَلَبها رأساً على عقب، مثلما فعلَ عِلمُ ظاهرةِ الاقتصاد. إننا نَعثرُ في حقلِ الاقتصادِ السياسي على أفدحِ تحريفٍ قامَ به العقلُ التصوري. إنّ الحداثةَ الرأسماليةَ هي النظامُ الوحيدُ المتميزُ بِتَرَفِه الامتيازيّ بالتنامي كلياً على دعامةِ عِلمِ التزييفِ.

ولدى قيامِ فرناند بروديل بتفسيرِ ولادةِ الرأسمالية، فإنه يُسنِدُ ذلك إلى التحلي بقوةِ ملاحظةٍ ثاقبةٍ شاملة، وقدرةٍ عاليةٍ على المقارنة. فضلاً عن أنه يسلطُ النورَ على قضيةِ الأسلوبِ أثناءَ سعيِه لِمَوضَعَةِ شروحِه ضمن كلٍّ متكاملٍ بشأنِ التاريخ، المجتمعِ، السلطةِ، المدنيةِ والثقافة، والتطوراتِ المكانية. إنه مُحتاطٌ وحَذِرٌ إزاء التعاطي الوضعيِّ للأمور. أما كارل ماركس، فقد كان زاعماً بإصرارٍ على جعلِ الاقتصادِ علماً بذاتِه مِن خلالِ عملِه أساساً بالعِلمِ الوضعي، متأثراً بحركةِ التنويرِ حتى النخاع. مع الأخذِ بعينِ الاعتبارِ النصيبَ الملحوظَ لِعلمِ الاجتماعِ في ذلك، كونه لا يزالُ في مرحلةِ الحَبْوِ (الزحف على الركبَتَين). فالجزمُ العلميُّ والتقدمُ على خطٍّ مستقيمٍ قد تَسَمَّرَ في الأذهانِ منذ أَمَدٍ سحيقٍ، تماماً مثل مُسَلَّماتِ كلمةِ “آمنتُ”. وبينما سَعَت الرومانسيةُ لِهَدمِ هذا المنهاج، انزَلَقَت – وعلى النقيض – في انحرافِ الإرادية، لِتَتَسَبَّبَ بزيادةِ وطأةِ الأزماتِ الذهنيةِ أكثر. حيث لا يتم تطوير مواقف نيتشه التي يغلبُ عليها الذكاءُ النسبيُّ والحلزونيُّ والعاطفي. وتَعُوثُ الليبراليةُ وتَصُولُ في الأرضِ ضمن هذه البلبلةِ والعربدةِ الذهنية. وبينما تَعمَلُ الرأسماليةُ على تحويلِ العلومِ الفيزيائية (بما فيها الكيمياء والرياضيات والبيولوجيا) إلى فلسفةٍ – أو بالأحرى إلى دينٍ – عن طريقِ الوضعية، فهي تَقُومُ بالمقابل بتحويلِ الواقعِ الاجتماعيِّ أيضاً إلى فلسفةٍ أو دينٍ عن طريقِ الليبرالية، وبنفسِ الاتجاه. ومع إحرازِ النجاحِ في الصراعِ الأيديولوجيِّ أيضاً بالتأسيسِ على ذلك، يَتَبَدّى وكأنّ النظامَ قد أضحى كونياً مع حلولِ القرنِ التاسعِ عشر. في حين أنّ الحربَ الاقتصاديةَ كانت قد أُحرِزَت قبل ذلك. لِنسهبْ في شرحِ هذه الانتقاداتِ والشروح.

لقد بَحَثَت الجماعاتُ دائماً ضمن أذهانِها عن الأشياءِ التي تلبي حاجتَها المادية، وهكذا رَغبَت في تطويرِها. وكانت همومُها الأوليةُ مُنصَبّةً على تأمينِ الغذاءِ، المأوى، التكاثرِ، والحماية. ولتلبيةِ متطلباتِ هذه الحاجاتِ الأساسيةِ عَمِلَت على الاكتفاءِ بما تَجِدُه من قُوت، والسكنِ في الكهوفِ والمغارات، وحمايةِ نفسِها على نحوٍ أفضل على تخومِ البحيراتِ وفي وسطِ الغابات، واعتَرَفَت بالأولويةِ للأمِّ المنجبة. ومع الزمنِ تَبدأُ ممارسةُ الصيدِ أيضاً. فدافعُ الحماية، والرغبةُ في التغذي على اللحومِ قد وَلَّدَ معه هذه الثقافة. لكن، بالمقدورِ ملاحظةُ بروزِ التوترِ والاضطرابِ منذ بداياتِ المجتمعيةِ فيما بين جمعِ المرأةِ للثمار، واحترافِ الرجلِ – بالأغلب – لممارسةِ الصيد، وتنامي التطورِ التدريجيِّ الثقافيِّ في اتجاهَين مختلفَين بينهما. أما هذا التطورُ الأحاديُّ الجانبِ في كِلَيهما، قد أدى إلى بروزِ ثقافةِ “الرجلِ الأسد” في أحدِهِما، و”المرأةِ البقرةِ” في الثاني، وتَزَايُدِ تراكمها رويداً رويداً. وهكذا تُوضَعُ لَبَناتُ أُولى المفاهيمِ الاقتصاديةِ المتباينة. تَبلُغُ ثقافةُ المرأةِ ذروتَها في العصرِ النيوليتي، وبالأخصِّ أنها مَهَّدَت السبيلَ لتصورِ حياةٍ أَشبَهُ ما تَكُونُ بالجنة، مِن خلالِ الغنى الوفيرِ من أنواعِ النباتِ والحيوانِ على (حوافِّ) سلسلةِ جبالِ زاغروس – طوروس. هذا التطورُ الاجتماعيُّ البارزُ بعدَ العصرِ الجليديِّ الأخير، أي ابتداءاً من أعوامِ 15000 ق.م، سيستمرُ في وجودِه كالنهرِ الرئيسيِّ، مع تَبَدُّلِهِ وتغيُّرِهِ ضمن سياقِ التاريخِ المكتوبِ والمدنية، لِيَترُكَ بصماتِه على العولمةِ في يومنا الراهن. وما المستجداتُ المعتمِدَةُ على المجموعاتِ اللغويةِ في يومِنا الراهنِ سوى ثمرةٌ من ثمارِ ذاك العصر.

وهنا عليَّ التنويه ثانيةً إلى أنّ تبادلَ السلعِ وازديادَ نفوذِ التجارةِ قد مهَّدا الطريقَ لظهورِ مرحلةِ التَّبَضُّعِ لأولِ مرة. لَم يتم الانتقالُ بعد مِن اقتصادِ العطايا إلى المقايضة، حيث لا تزالُ قيمةُ الاستخدامِ الأساسَ بالنسبةِ للمجتمع. وقيمةُ الاستخدامِ تَعني خاصيةَ تلبيةِ السلعةِ لحاجةٍ ما. وهذه هي القيمةُ الأصليةُ بالنسبةِ إلى الإنسان. إنّ المقايضةَ اصطلاحٌ يَدٌورٌ الجدلٌ حولَه بكثرة، حيث من الأهميةِ بمكان صياغةُ تعريفٍ صائبٍ لها. فحسبَ رأيي، إنّ وضعَ الكدحِ في أساسِ المقايضة – كما لدى ماركس أيضاً – موضوعُ جدالٍ محتدم. ذلك أنّ المقايضة تحتضنُ في ثناياها جانبَ المضارَبةِ دائماً، سواءً عُرِّفَت بالكدحِ المجرَّدِ أم الملموس. لِنَفتَرِضْ أنّ أولَ تاجرٍ من أوروك قد استَبدَلَ الصحونَ الفخاريةَ بالأحجارِ والمعادنِ في إحدى المستوطناتِ على ضفافِ نهرِ الفرات. فلدى تساؤلِنا عمَّن سيُبادِر في تحديدِ قيمةِ التبادل، يمكننا القولُ أنها تُحَدَّدُ بموجبِ درجةِ الحاجةِ المتبادَلة أولاً، ومدى مبادرةِ التاجرِ ثانياً. فإذا كانت درجةُ الطلبِ عاليةً، سيَكُونُ بمقدورِ التاجرِ تَسعيرَ بضاعتِه كما يشاء. فبدلاً من استبدالِ واحدةٍ باثنتين، يُمكِنُه – وبكلِّ سهولة – استبدالُ واحدةٍ بأربعة، لأنه ما من مؤثرٍ يمكنه صدُّه أو عرقلتُه عن فعل ذلك، إلا ضميرُه هو. أو بالأحرى، إلا قُوَّتُه هو. إذن، والحالُ هذه، أين يبقى دورُ الكدح؟

لا أَدحَضُ دورَ عامِلِ الكدحِ كلياً، ولكني أصرُّ على أنه ليس المُحَدِّدَ الأساسيَّ هنا. ويمكن ملاحظةُ هذا الأمرِ في جميعِ عملياتِ تبادلِ السلعِ على طولِ التاريخ. قد يتحققُ التبادلُ بما يكاد يعادلُ قيمةَ الكدحِ في بعضِ الأوقات، وذلك ارتباطاً بالمنافسةِ الحرةِ المُتَّبَعَةِ في عملياتِ البيعِ والشراء. إلا أنه يَكُونُ بالأغلب تبادلاً نظرياً بين الكدحِ والقيمة. أما المُعَيِّنُ في الواقعِ العملي، فهي المُضارَبة. وفي بعضِ الحالات يَتَكَدَّسُ ادخارُ البضائعِ بشكلٍ مفرط، فتَنخَفِضُ قيمتُها إلى ما تحتِ الصفر. وفي الحالاتِ التي تقتضي كدحاً إضافياً لأجلِ إتلافِ تلك البضائع، يتبدى للعيان أنّ الكدحَ ليس بقسطاسٍ مُعَيِّنٍ هنا، باعتبارِ أننا لن نستطيعَ القولَ أنّ قيمتَه قد انعدَمَت. كما أنّ مقدرةَ التاجرِ المحظوظِ في خلقِ العَوَزِ والفاقةِ أو الزيادةِ والتَّرَف مُعَيِّنةٌ أيضاً. بَيْدَ أنّ البضائعَ تُنتَجُ ببضائعَ أخرى. وكلُّ بضاعةٍ قد أُنتِجَت حصيلةَ تراكمِ كدحِ خبرةِ الآلافِ من الكادحين المجهولين على مَرِّ السياقِ التاريخي. إذن، أيةُ آليةٍ سوف تَفي الثمنَ الذي يستحقُّه أولئك أصحابُ الكدحِ الجامد؟ وعندما نُضِيفُ إلى ذلك ضرورةَ وجودِ الحِرَفِيِّين المبدعين، بل وحتى جميعَ الأنشطةِ الاجتماعيةِ، فمِن غيرِ الممكنِ إطلاقَ سعرٍ أو أجرٍ معيَّنٍ لنوعِ الكدحِ المسمى بكدحِ الكائن الحي.

هنا يَتَّضِحُ عيبُ وعُطبُ وزيفُ الاقتصادِ السياسيِّ الإنكليزي. فمن المعلومِ أنّ إنكلترا الجزيرة وهولندا هما أولَ مَن أحرزَ النجاحَ في الرأسماليةِ كنظام. فلكي تُضفى الشرعيةُ على الرأسماليةِ تَكُونُ الحاجةُ لذريعةٍ نظريةٍ شرطاً أولياً. ونخصُّ بالذكرِ الأهميةَ القصوى لنظريةٍ معقولةٍ مقبولةٍ لطمسِ حقيقةِ كونِها ربحُ المضاربة. وهنا، فإنّ مَهَمَّةَ طرحِ نسخةٍ جديدةٍ من السردِ الميثولوجيِّ المماثلِ لدينِ تُجّارِ أوروك الأوائل، قد وَقَعَت على عاتقِ مَن يُسَمّون بعلماءِ الاقتصادِ السياسيِّ ظاهرياً، والذين ما هم ضمنياً سوى مبتكرو الدينِ الجديدِ للرأسمالية. أي أنّ ما صِيغَ وأُنشِئَ ليس بالاقتصادِ السياسي، بل هو دينٌ جديد. وبالطبع، فقد ظَهَرَ مع كتابِهِ المقدَّسِ، ومع مذاهبِه المتفرعة المتشعبة، مثلما في كل دين. إنّ الاقتصادَ السياسيَّ قد صِيغَ بغرضِ إخفاءِ الطابعِ المضارِبِ للرأسمالية (تكديس البضائع، والاستفادة من الفوارق الإقليمية والمناطقية للتلاعب بالأسعار)، والذي يضاهي النهبَ والسلبَ الذي قامَ به الأربعون حرامي المتمرسون بأضعافٍ مضاعفة. إنه الإنجازُ الأكثرُ زيفاً ورياءً ونهباً، ابتكره الذكاءُ التصوريّ. ونظريةُ قيمةِ الكدحِ في هذا الشأنِ إنما هي أداةُ اصطيادٍ كاملة. وفعلاً، يَمتَلِكُني الفضولُ في معرفةِ كيفيةِ انتقائِها. إني على قناعةٍ بأنّ الدافعَ الأوليَّ وراءها هو إلهاءُ ومماطلةُ الكادحين. فحتى شخصٌ مثلُ كارل ماركس لَم يتمالكْ نفسَه من المشاركةِ في فخِّ الاصطيادِ ذاك بأنْ يَكُونَ الطُعم. تَختَلِجُني الآلامُ المريرةُ عندما أُوَجِّهُ هذا الانتقادَ إليه. إلا أنّ تبيانَ شكوكِنا وظنونِنا هو مِن دواعي الحَدِّ الأدنى من احترامِنا للعِلم.

وإنْ عَمِلْنا على شرحِ هذه النقاطِ أكثر، يمكننا قولُ ما يلي:

نصادفُ حصولَ النقلةِ التجاريةِ الثانيةِ الكبرى في المجرى التاريخيِّ متمثلةً في المستوطناتِ الآشورية، اعتباراً من أعوامِ 2000 ق.م. وباستطاعتِنا القول أنه ما مِن استبداديةٍ شَيَّدَت صرحَ مدنيتِها بالاعتمادِ على التجارةِ والمستوطناتِ التجارية، بقدرِ ما هي الحالُ في آشور (سوف أتناولُ روابطَ الرأسماليةِ مع السلطةِ في الفصولِ اللاحقة). إنهم أولُ مَن طَوَّرَ التجارةَ ومستوطناتِها بأرقى مستوياتِها في ذاك الزمان (2000 – 600 ق.م) لِتَصِلَ الأبعادَ العالمية (عالمية ذاك العصر). ومع أنّ التجارَ الفينيقيين قد أَسنَدوا ظهورَهم للمدنيةِ المصريةِ في إبداءِ مهارتِهم وحذقِهم الخارقِ في التجارةِ والاستيطانِ فيما يقارب المراحلَ عينَها، إلا أنهم يَبقَون في المرتبةِ الثانيةِ ضمن هذا المضمار. تماماً مثلما هي حالُ هولندا أو البرتغال مقابلَ إنكلترا. وكلتاهما قد نهبتا وسلبتا كماً هائلاً يعادلُ حجمَ جبلِ القافِ  من القِيَم، وذلك عبرَ التجارةِ المستشريةِ بالتوازي مع الطغيانِ والجبروتِ الطائش. ولو أنه تَمَّ تنقيبُ وسَبرُ تاريخِ الغنى الآشوريِّ والفينيقي، والمتداخلِ مع التجارةِ والطغيان، لَسَوف يَكُونُ بالإمكانِ استشفافُ آثارِ المستوطِنين الأوروبيين (إسبانيا، البرتغال، هولندا، إنكلترا، فرنسا، وبلجيكا، وغيرها) على أحسنِ الأحوالِ في هذَين المثالَين. لَطالما يَسردون بافتخارٍ وإباء كيف بَنَوا جدرانَ الأسوارِ والقلاعِ من جماجمِ البشر. ولا تفتأُ أخلاقُ وثقافةُ الحياةِ تلك، التي أَسَّسُوها على دعائمِ النهبِ والسلب، تَكبُتُ أنفاسَ لبنان والعراق، اللذَين لا ينجوان من أنْ يَكُونا ساحةَ الحروب الأكثرِ ضراوةً ومخاضاً. وكذا، لَم يَكُن هدمُ قرطاجة (المستوطَنةُ التجاريةُ الفينيقية) على يدِ الجمهوريةِ الرومانية عن عبث، عندما سوَّتها بالأرضِ وصَيَّرَتها حقلاً زراعياً. كما لَم يَقُمْ الميديون عبثاً بتدميرِ نينوى شرَّ تدمير (612 ق.م)، وتحويلِها إلى أطلالٍ وخراب.

ينبغي الانتباه إلى مدنياتِ التجار. حيث يأتي التجارُ وأَمنُ مستوطناتِهم، أو بالأحرى حمايةُ مصالحهم، في مقدمةِ الأسبابِ الأوليةِ وراءَ نشوبِ الحروبِ وتأسيسِ الدول على مَرِّ التاريخ. والكلُّ على علمٍ يقينٍ بأنّ الحروبَ التي لا تزال مندلعةً اليوم في الشرقِ الأوسط، إنما تَعُودُ أسبابُها الجوهريةُ إلى تجارةِ البترول (لَكَم هو مؤسفٌ أنها ابتدأَت بإشعالِ فتيلِ أُولى الحروبِ التجارية – لفظُ العراقِ يَنحَدِرُ من مفردةِ أوروك – لِتَبقى تَخُوضُها حتى اليوم بأكثرِ أشكالِها ضراوةً). ويمكننا سردُ الكثيرِ من الأمثلةِ الأخرى، إلا أنه لا داعي لها.

ومرةً أخرى نلاحظُ دورَ التجارةِ في الريادةِ أثناء التوجهِ قُدُماً صوبَ الرأسمالية، وانتقالَ مركزِ المدنيةِ إلى أوروبا. تُعِيدُ التجارةُ ومدنيةُ التجارِ ذات المركزِ الشرقِ أوسطي إنجازَ نقلتِها وحملتِها مع ظهورِ الإسلامِ في العصورِ الوسطى. فحصيلةَ المنافسةِ المتناميةِ بين خديجة بنفسها، ومعها عاملُها محمد الذي أصبحَ زوجها فيما بعد، وبين التجارِ والمُرابين اليهود وكذلك السريان ذوي الأصولِ الآشورية؛ فإنهما يلجآن إلى العنفِ والشدة في بناءِ أرضيةِ المدنيةِ التجارية المعتمدةِ على مكة والمدينة. وتنتعشُ مدائنُ الشرقِ الأوسط القديمِ مرةً أخرى بالتفافِها حولَ التجارةِ تحت غطاءِ الدينِ الإسلامي. ومع انهزامِ الإمبراطوريتَين البيزنطيةِ والساسانية، يُقِيمُون شبكةً من المدائن والأسواقِ الكبرى، وفي مقدمتِها حلب، بغداد، القاهرة، ودمشق. وتزدهرُ شبكةُ التجارةِ لِتَكُونَ عالميةَ الطابع، بانتشارِها على طولِ الخطِّ مِن الصينِ إلى المحيطِ الأطلسي، ومنه إلى أندونيزيا  ومقاطعاتِ أفريقيا. وتنتشرُ أسواقُ المالِ والبضائعِ بشكلٍ واسع، لِيَحظى اليهودُ والأرمنُ والسريانُ بمدخراتٍ ماليةٍ عظمى.

ترتكزُ أوروبا إلى هذا الإرثِ بشكلٍ كلي. حيث يَشهَدُ التاريخُ على أنّ ثقافةَ التجارة، التي أَنجَزَت نقلةً أخرى لها على يدِ التجارِ المسلمين في الشرقِ الأوسط، قد انتَقَلَت إلى أوروبا اعتباراً من القرنِ الثالثِ عشر بريادةِ المدينتَين الإيطاليتَين جنوى وفلورنسا. ويُعزى السببُ الأوليُّ لِغِنى هاتَين المدينتَين إلى المالِ والتجارة، إذ تَرُودان التجارةَ فيما بين أوروبا والشرقِ الأوسط حتى حلولِ القرنِ السادسِ عشر. ولربما هي المرةُ الأولى في التاريخ، والتي تُحَقِّقان فيها نجاحاً متواضعاً للرأسماليةِ على مستوى المدينة، سواءً على الصعيدِ الاصطلاحيِّ أو التطبيقي. وللقرصنةِ الشائعةِ في البحرِ الأبيضِ المتوسط، وكذلك لاحتكارِ الأسعارِ فيما بين ضفّتَيه الشرقيةِ والغربيةِ دورٌ رئيسيٌّ في ذلك. فضلاً عن أنّ المضارَبةَ تتنامى قُدُماً في ظلِّ الاستبدادِ والطغيان. وحينما تُمَهِّدُ التجارةُ السبيلَ للِرَأسمالِ، والرأسمالُ للمدينة، والمدينةُ للسوق، والسوقُ لاتساعِ نطاقِ المضاربة؛ يَكُونُ فجرُ المدنيةِ الرأسماليةِ قد بَزَغ. وقد شُوهِدَ نموذجٌ مصغَّرٌ مِن هذه المرحلةِ في عصرِ أثينا – روما الكلاسيكي (500 ق.م – 500 م). أما سببُ عدمِ بلوغِ انتصارِ الرأسمالِ في ذاك العصر، فيَعُودُ إلى رَجَحَانِ كفةِ الزراعةِ في مكانتِها ووزنِها، وخروجِهم من الحروبِ الدينيةِ منهزمين. في حين أنّ التجربةَ الناجحةَ للرأسماليةِ في دولِ المدائنِ الإيطاليةِ في أعوامِ 1300 – 1600، فلَم تتأخر عن الانتشارِ بسرعةٍ صوبَ شمالِ غربي أوروبا وشماليها. بينما إسبانيا كانت قد دَخَلَتها الرأسماليةُ قبلها. وبعدَ قصةِ المسيرةِ الطويلةِ للتجار، لأولِ مرة تُرغِمهم على تحقيقِ نقلتِهم في الانتصاراتِ التي تتخطى المدنَ إلى البلدان، ابتداءاً من القرنِ السادسِ عشر.

وهكذا تَشَكَّلت سوقٌ على النطاقِ العالمي، بعد استعمارِ أفريقيا وأمريكا، وتَركِ الإمبراطوريةِ العثمانية جانباً، لِتَبلغَ الهندَ والصينَ عن طريقِ المحيطِ الأطلسي وجنوبِ أفريقيا. ويَتَسَارَعُ التمدنُ في أرجاءِ أوروبا لِيَعُمَّها. ولأولِ مرةٍ شَرَعَت المدنُ تَجهَدُ للتغلبِ على الزراعة. وتَتَحَوَّلُ المَلَكياتُ الإقطاعيةُ إلى دولٍ مونارشيةٍ عصرية. ويتكبدُ العثمانيون كآخِرِ إمبراطوريةٍ إسلاميةٍ الهزيمةَ تِلوَ الهزيمة. كما أن النهضة قد بدأت من إيطاليا أيضاً في القرنِ الرابعِ عشر، لتنتشر منها إلى عمومِ أوروبا. في حين أنّ حركةَ الإصلاحِ الديني قد تَكَلَّلَت بالنجاحِ في البلدان الشماليةِ من أوروبا. ولأولِ مرةٍ تَخبُو شعلةُ عصرِ الحروبِ الدينية. والأهمُّ من ذلك انتقالُ كلِّ القِيَمِ الثقافيةِ والحضاريةِ إلى أوروبا مِن الصين، الهند، الإسلام، بل وحتى من أفريقيا وأمريكا؛ لتنشأ الدولةُ العصرية من جهة، وتُولَد القوميات من الجهةِ الأخرى.

إذن، عندما تتوجهُ الرأسماليةُ نحو الانتصار، فإنها تَستَنِدُ في ذلك على كلِّ هذا التاريخ، الثقافةِ، الخبرة التجارية المتراكمةِ، المدنيةِ، الطاقاتِ والقُدُراتِ السياسية، وتكامُل أسواق العالم. فهل يُمكِنُ الانطلاق نحوَ الاقتصادِ الرأسمالي، دون نضوجِ هذه الظروفِ التمهيدية، ودون الاعتمادِ عليها؟ بل دعكَ مِن مدى إمكانيةِ ذلك، فهل يمكن تَصَوُّرُ وجودِ الرأسمالِ حينها؟ فكيفما أنّ التاريخَ قد خطا خطوتَه الأولى في ميزوبوتاميا السفلى مع التمدنِ والتمايزِ الطبقي والتدولِ المبتدئِ في مدينةِ أوروك، وخطا خطوتَه الثانيةَ مع التجارةِ والتمدنِ الحاصلِ في فينيقيا وإيونيا؛ ففي هذه المرةِ قد خطا خطوتَه الثالثةَ في المكانِ الجغرافيِّ المشتملِ على إيطاليا وهولندا وإنكلترا، نحوَ النجاحِ المظفرِ الراسخِ في الاقتصادِ الرأسماليِّ المضادِّ للسوق، والمتفوق عليه؛ وذلك بالاستفادةِ مِن كلِّ الشروطِ الآنفةِ الذكر بأفضلِ حالاتِها عبرَ التجارةِ والتمدنِ العظيمَين. وما نشهدُه اليوم بزعامةِ الولاياتِ المتحدةِ الأمريكية ليس سوى هذا الواقعُ بعينِه.

عندما يُصِرّ فرناند بروديل على أنّ الاقتصادَ الرأسماليَّ مضادٌّ للسوق، وأنه شَكْلٌ من الاقتصادِ المعتمِدِ على التَحَكُّمِ الاحتكاريِّ المضارِبِ بالأسعارِ في مجالِ التجارِ الكبار؛ إنما يَكُونُ أقربَ من كارل ماركس إلى الحقيقةِ بشأنِ الواقعِ المسمى بالاقتصاد.

إننا نشاهد من خلالِ مِرآةِ التاريخ نوعاً أو شكلاً من النشاطِ الاقتصاديِّ وقد تحول إلى سلطة، وطوَّرَ السوقَ في بنيتِه لأقصى الحدود، وباشَرَ بالتحكمِ بالريفِ انطلاقاً من المدينة في أجواءٍ من التقدمِ الاجتماعيِّ انحطت فيها منزلةُ الروابطِ الدينية والأخلاقيةِ إلى الدرجةِ الثانية، ليقوم بالاستيلاءِ على السلعِ المتكدِّسة اعتماداً على النهب والسلب الدقيق المُغلَّف بالأيديولوجيا. لا ريبَ في أنّ انعكاسَ الاستيلاءِ بشكلِه الجديد هذا على الأسعارِ الدائرةِ في السوقِ بموجبِ العرضِ والطلب، وانعكاس الأسعار بدورها بوساطةِ المال، قد أدى إلى اكتسابِه موهبةَ التقدم والتلاعبِ الباهرِ نسبةً إلى مراحلِه القديمة. وبدلاً من المراباةِ والصرافةِ بأشكالها الأولى، قَطَعَت البنوكُ، السنداتُ، الأوراقُ النقدية، الائتمان والتسليف، المحاسبةُ، والشركاتُ أشواطاً ملحوظة؛ لِتَغدُوَ المواضيعَ الأوليةَ المؤلِّفةَ لِعِلمِ الحالِ الاقتصاديِّ في العصرِ الحديث. ما يَنقُصُ هنا هو الإيضاحُ العلميُّ، وهو ما سَعَى لتأسيسِه الأخصائيون بالاقتصادِ السياسيِّ في الموطنِ الأمِّ إنكلترا، ليُلحِقوا بأنفسهم فيما بعد – ولو تَبَدّى ذلك مفارقةً وتناقضاً ظاهرياً – مناهضيهم الاشتراكيين وفي مقدمتِهم كارل ماركس.

عندما يشرعُ نظامُ النهبِ والسلب – المسمى بالاقتصادِ الرأسمالي – باستعمارِ وإعادةِ استعبادِ المجتمعاتِ المتواجدةِ في كلِّ العوالمِ القديمةِ والحديثة، ويَقُومُ بربطِ كلِّ قُدُراتِ القوةِ بذاتِه (بوساطةِ الإقراضِ والتسليف، الذي هو شكلٌ لاغتصابِ الدولِ القائمة)، ويَخُوضُ أكثرَ حروبِ التاريخِ دمويةً، ويتلاعبُ بكلِّ قواه على بنيةِ المجتمعِ لِنَيلِ شرعيةِ هيمنتِه عليه؛ عندما يَفعَلُ نظامُ النهبِ كلَّ هذا، فحسبَ رأيي، إنّ كارل ماركس – الذي أَعلَنَ ذاك النظامَ على أنه نظامٌ ثوريٌّ نسبةً إلى المجتمعِ القديم – وأتباعَه وأمثالَهم مِن المدارسِ الفكرية، لم يَقُوموا بإنشاءِ أيِّ عِلم. فمؤلَّفُ “رأس المال” هو الكتابُ الأكثرُ نقصاناً تجاه الرأسمال، وبالتالي الأكثرُ قابليةً لتفسيرِه على منوالٍ خاطئ. أنا لا أَتَّهِمُ ماركس هنا، بل أَقتَصِرُ على الإشارةِ إلى افتقادِ كتابِه للأبعادِ المتعلقةِ بالتاريخِ والدولةِ والثورةِ والديمقراطية، وإلى عجزِه عن تناولِها. ونظراً للتكوينةِ البنيويةِ للمتنورين الأوروبيين المتظاهرين بأنهم “علمويون” للغاية، وانطلاقاً من منزلتِهم الموضوعيةِ، فهم لَم يَصُوغوا عِلماً أو أيديولوجيةً باسمِ الشرائحِ المُسَمّاة بـ”الكادحين” على أساسِ التضادِّ مع الرأسماليةِ ومناهضتِها عن طريقِ بحوثِهم ودراساتِهم المرتكزةِ إلى كتابِ “الرأسمال”، وإنْ لَم يَكُونوا يَقصدون ذلك ذاتياً. أما الليبراليةُ المنتَبِهةُ بكلِّ يقظةٍ لنواقصِهم تلك، فقد استفادَت بشكلٍ باهرٍ من تحليلاتِهم حولَ الرأسمالِ، ومن إعلانِهم عن ثوريةِ الرأسماليةِ منذ ولادتِها. وبطبيعةِ الحال، فقد صَهَرَت لاحقاً في بوتقتِها (بوساطةِ قوتِها الأيديولوجيةِ العصرانيةِ، وعن طريقِ الدولِ القوميةِ والصناعوية) كلاً من الديمقراطيين الاجتماعيين الألمان أولاً، ومِن بعدِهم النظامَ الاشتراكيَّ المشيَّدَ (بما فيه روسيا والصين)، وأخيراً النظمَ التحرريةَ الوطنيةَ؛ لِتَنتَصِرَ في الصراعِ الطبقي، الذي طالما خاضَ هؤلاء الحروبَ المريرةَ في سبيلِه. ثمة هزيمةٌ نكراءُ ساطعةٌ تَكَبَّدَتها تلك التياراتُ الثلاثةُ تجاه الرأسمالية. لكنْ، كَم هو مؤسفٌ أنه لَم يُقَدَّم أيُّ نقدٍ ذاتيٍّ صريحٍ وحاسمٍ في هذا المضمار إلى الآن. ثمة عبارةٌ تَقول: يُجري العِلمُ حكمَه، عاجلاً كان أم آجلاً. من هنا، لو كانت نصوصُ المتنورين تلك علميةَ المضمونِ فِعلاً بشأنِ تناولِها للرأسماليةِ، التي أَعلَنَت الحربَ تجاه مجتمعِهم وتاريخِهم، وفي المقدمةِ تجاه الطبقةِ العاملة؛ لَمَا انهزموا بهذه الدرجةِ المُشينة تجاه النظامِ المعادي لهم. بل والأنكى من ذلك أنه لَمَا أَنفَقُوا إرثَهم بهذا الثمنِ البخس.

لِنَعمَلْ على صياغةِ تعريفٍ أفضل للحقائقِ المُسَمّاةِ بـ”الاقتصادِ الرأسمالي”، وتحليلِها ضمن وظائفِها. لا أرى داعياً لشرحِ اللغةِ الاقتصاديةِ ومفرداتِها المعنيةِ بتراكمِ رأسِ المال، ومِن أكثرِها شيوعاً: فائضُ الإنتاج، فائضُ القيمة، القيمةُ والكدح، الأجرُ، الربحُ، السعرُ، الاحتكارُ، السوقُ، والمال. فنظراً لكثرةِ البحوثِ والدراساتِ التي تَعُزُّ على الحصرِ بشأنها، سَأَدَعُها ضمن بساطتِها، انطلاقاً من سلوكي الاجتماعيِّ الأخلاقي، وسأستمرُّ في الانشغالِ بالمؤثراتِ الأساسيةِ الواجبِ إيضاحها، مع التبيان أني لن أترددَ في تناولِ تلك المواضيعِ أيضاً بقدرِ ما تقتضيه الحاجة.

إنّ اصطلاحَ الربحِ – الأجرةِ على الصعيدِ الاقتصادي، واصطلاحَ البرجوازيِّ – البروليتاري على الصعيدِ الاجتماعي، يُعتَبَران أولَ خطوةٍ لإضفاءِ الطابعِ العلميِّ على الطرازِ الوضعيِّ لنظامٍ يَصهَرُ في بوتقتِه كلَّ المدخراتِ والتراكماتِ التاريخيةِ للبشريةِ الممزَّقةِ إرباً إرباً على يدِ الرأسمالية، لِيَعُمَّ في نهايةِ المطافِ أرجاءَ المعمورةِ برمتِها عبر وحشيتِه المروعةِ في الإباداتِ الجماعيةِ والنووية. أما طرحُ موضوعِ الكدحِ الذي يَبذُلُه العنصرُ المُسَمّى بالبروليتاريِّ لوحدِه، ليَأتي مَن هو أَشبَهُ بصاحبِ البروليتاري، والمسمى بالمستثمِرِ، ويَجنِيَ الربحَ من تلك القيمةِ الكدحيةِ مقابلَ مقدارٍ من المالِ والوسائلِ الأخرى؛ على أنه تحديدٌ علمي، إنما يَكمُنُ في أساسِ مواقفِ الاقتصادوية. يبدو أنّ هذا بِعَينِه المفهومُ المُسَمّى بالاختزالِ الاقتصادي. فمجردُ التفكيرِ بصياغةِ تعريفٍ للقيمةِ على هذا المنوالِ المعزولِ بهذه الدرجةِ عن التاريخِ والمجتمعِ والقدراتِ السياسية، إنما هو مشحونٌ بالإشكالياتِ العويصة. فحتى لو قُمنا بتأليهِ الفردِ باعتبارِه مستثمراً وعامِلاً؛ فهما لن يَقدِرا على تكوينِ القِيمة بذاك المفهوم. ذلك أنّ الماهيةَ التاريخيةَ والاجتماعيةَ للقِيَمِ الاقتصاديةِ ساطعةٌ سطوعَ النهار. وبالأصل، فاعتبارُ المقايضةِ عيباً في البدايات، وتقديمُ الفوائضِ على شكلِ عطايا، إنما ينبع من معاني القدسيةِ المُضفاةِ على القيمة. فحتى الآن، ما مِن مزارعٍ يَقول “أنا أنتجتُ”، بل يقول “أُشَغِّل أملاكَ الأجداد، وأنالُ نصيبي”. بل ويقول “الحمدُ لله على نعمتِه”، ليُعَبِّرَ بذلك عما يُدركُه من موضوعِ المنبعِ العينِ بلغةٍ بسيطةٍ للغاية، ولكنها أسمى معنىً مما يُزعم أنه “العلم”.

وإلا، كيف يمكننا تعريفَ بَدَلِ الكدحِ الذي تَبذلُه أُمٌّ تَحمِلُ البروليتاريَّ في بطنِها تسعةَ أشهرٍ، وتَجتَرُّ آلامَ ألفِ مشقةٍ ومشقة إلى أنْ تَجعَلَ منه قوةَ عَمَلٍ فاعلة؟ كيف سنُحَدِّدُ نصيبَ أصحابِ أدواتِ الإنتاجِ المصنوعة بزخمِ الخبراتِ المتبقيةِ من آلافِ السنين، والتي يَنهَبُها المستثمِرُ بكلِّ نَهَمٍ وجشع؟ علينا ألا ننسى أنه ما مِن أداةِ إنتاجٍ قيمتُها تعادلُ سعرَها المطروحَ في السوق. ذلك أنّ مجردَ الاختراعاتِ التقنيةِ لأيِّ معملٍ ليست سوى ثمرةُ الإبداعِ المتراكمِ بجهودِ آلافِ المخترعين. فكيف يمكننا تحديدُ قيمتِها، ولِمَن سندفعُ الثمن؟ أَوَيمكن عدم التفكيرِ بنصيبهم الاجتماعي دون دحضِ ونبذِ الأخلاقِ كليَّاً؟ وهل اقتسامُ هذه القِيَمِ التاريخيةِ الاجتماعيةِ بين شخصَين اثنَين فقط يتناسب والعدالة؟ بَيْدَ أنّ لهذَين الشخصَين عوائلُهم وأوساطُهم الاجتماعية. أَوَليس لتلك العوائلِ والأوساطِ الاجتماعيةِ التي تحمي هذَين الشخصَين وتدافع عنهما أيُّ حقٍّ عليهما؟ يمكننا الإكثار من الأسئلةِ الأكثرِ حرجاً وحساسيةً، لكنّ هذا كافٍ لإظهارِ مدى إشكاليةِ وعُسرِ ثنائيةِ الربحِ – الأجر.

لِنَعقُد الروابطَ، هذه المرة، بين أصحابِ الربحِ وأصحابِ الأجر على شكل: البرجوازيِّ – البروليتاري. فالزعمُ بأن هاتَين الطبقتَين قد وَلَّدَتا المجتمعَ الجديدَ تجاه المجتمعِ القديم كطبقتَين ثوريتَين، كَم يتناسبُ فِعلاً مع الحقائق؟ إذ ما مِن مقابلٍ لهذا التحالفِ على طولِ مجرى التاريخ. ثم إنّ الأمثلةَ التي تؤكدُ صحةَ تضادِّهما تجاه بعضِهما البعض انطلاقاً من الصراعِ الأساسيِّ بينهما، نادرةٌ لدرجةٍ لا يُمكِنُها أنْ تَكُونَ مُعَيِّنةً من جهةِ كونِها مرحلةَ نزاعٍ وصراعٍ جذري. وما حصلَ هو استمرارٌ لتقاليدِ الصراعِ القديمِ، ليس إلا. ما يَبرزُ هنا، وما يُشاهَدُ في الحياةِ العمليةِ هو تشابُه منزلةِ العامِلِ بالنسبةِ إلى البرجوازيِّ بمنزلةِ العبدِ تجاه فرعون، حيث يَكُونُ الأولُ كجزءٍ مُلحَقٍ ببدنِ الأخير. إذ، ما مِن عمليةٍ ناجحةٍ قامَ بها العبيدُ تجاه أسيادِهم على مَرِّ التاريخ. وحتى سبارتاكوس، الذي طالما يُشار إليه كمثالٍ بارز، لم يكن سوى متمرداً متلهفاً ومتطلعاً إلى أنْ يَكُونَ هو الآخر سيداً في نهايةِ المطاف. وكلنا على عِلمٍ أنه لم يَكُنْ لديه أيُّ برنامجٍ آخر.

علينا ألا ننسى أنّ علاقةَ ربِّ العمل – العاملِ المستقاةَ بإرثِها من علاقةِ العبدِ – السيد الممتدةِ لآلافِ السنين، تَنُمُّ عن أواصرَ وشيجةٍ موثوقةٍ بألف رابطٍ ورابط، وبعيدةٍ كلَّ البعدِ عن حصولِ تمرداتٍ جذريةٍ أو نجاحاتٍ كاسحةٍ تجاه ربِّ العمل، إلا بعضَ الأمثلةِ الاستثنائية. بل رَجَحَت كفةُ التبعيةِ لِرَبِّ العملِ بنسبةٍ ساحقةٍ في أساسِ سياقها. أما الحوادثُ المُسَمّاةُ بِتَمَرُّدِ العمال، فنشاهدُ أنها قد نَشَبَت بالأغلب على يدِ أشباهِ القرويين، والمناهضين للبطالة. وتلك التمرداتُ على صِلاتٍ وطيدةٍ بالتأثيراتِ الاجتماعيةِ العامة. وما ينعكس على علاقةِ ربِّ العمل – العاملِ إنما هو تلك التأثيرات. بل والأهمُّ من ذلك، فتَمَرُّدُ العامِلِ على رَبِّ العملِ ليس بصراعِ المطالبةِ بِحَقِّه (كنا بيَّنّا أنها معضلةٌ عويصة)، بل هو كفاحٌ تجاه التحولِ البروليتاري، وتجاهَ كونِه عاملاً أو عاطلاً عن العمل. إنّ رفضَ التحول إلى بروليتاريا أو عامل، ورفضَ البطالةِ هي كفاحاتٌ اجتماعيةٌ أخلاقيةٌ أسمى معنى. علينا عدمَ تبجيلِ العبدِ والقنِّ والعامِلِ على الإطلاق، باعتبارِهم مسحوقين. بل، وعلى النقيض، فالعلاقة والعملية التي ينبغي تبجيلُها، يُمكِنُ صياغتها على نحوِ: اللاعبودية، اللااسترقاق، اللاعمالية. أما الاعترافُ بالأسيادِ وتعريفُهم، ومن ثَمَّ تقديمُ الاقتراحِ على خَدَمِهِم بالكفاحِ ضدّهم، إنما هو النزوعُ المشتَرَكُ لشتى أنواعِ الانتهازية. وهذه هي الذهنياتُ التي طالما أَفرَغَت الكفاحاتِ في سبيلِ الحقِّ والكدحِ مِن مضمونِها طيلةَ سياقِ التاريخ. وباختصار، مِن غيرِ الممكنِ صياغةُ سوسيولوجيا قَيِّمةٍ، ولا تطويرُ كفاحٍ اجتماعيٍّ ناجحٍ بمصطلحاتِ “العِلمِ” تلك! وأُشَدِّدُ على أنه عندما نَذكُرُ هذه الأمور، فنحن لا ننكرُ الكدحَ، القيمةَ، الربحَ، والطبقة؛ بل نسعى لإيضاحِ عدمِ صوابِ نمطِ استخدامِ هذه المصطلحاتِ في إنشاءِ العِلم. إني أَوَدُّ توضيحَ أنّ عِلمَ الاجتماعِ قد أُنشِئَ على منوالٍ غلط.

يَقتَصِرُ مكانُ الرأسماليةِ ضمن الحياةِ الاقتصاديةِ للمجتمع على الطبقاتِ العليا. وهي تعتمدُ في بداياتها على تكديسِ التاجرِ الأكبرِ لِرأسِ المال عن طريقِ أسعارِ الاحتكارِ الدائرةِ في السوق. ورأسُ المال، حسبَ تعريفِه، هو القيمةُ النقديةُ المتعاظمةُ ذاتياً باستمرار. حيث يتم جني التراكماتِ القِيَمِيّةِ الكبرى تجاه الأسواقِ البعيدة التي تختلفُ أسعارُها عن الأخرى بنسبةٍ ليست بالقليلة. والسبيل الثاني لتعاظمِ رأسِ المالِ، هو القروض المُقَدَّمةُ للدولة كتمويلٍ مقابل الفوائدِ والالتزامات. أما الميادينُ والأوقاتُ الأخرى الهامةُ التي يَسمَنُ ويتورمُ فيها، فهي تصنيعُ المعادن، مراحلُ العَوَز والفاقة، وأوقاتُ الحروب. وإلى جانبِ التجارة، قد يَحتَلُّ مكانَه في الزراعةِ والصناعةِ والمواصلات، عندما يَكُونُ ذلك مُربِحاً. ومع الثورةِ الصناعية  يَغدو القطاعُ الصناعيُّ مِن أهمِّ مجالاتِ الربح، حيث يتلاعبُ في كلتا المرحلتَين بنسبةِ العرضِ والطلب سعياً لتحديدِ نسبةِ الإنتاجِ والاستهلاكِ على السواء. وبمقدار تحكمه يُزيدُ من نسبةِ الربحِ لديه. من هنا، وبينما كانت التجارةُ الكبرى والصناعةُ ميدانَين للربحِ في مرحلتَي البدايةِ والنضوج في الرأسمالية، فإنّ القطاعَ الذي يَضَعُ ثقلَه في راهننا هو التمويل. وبينما تَكُونُ النقودُ، السنداتُ، البنوكُ، والائتمان والتسليفُ وسائلَ التمويل في بدايتها، فإنها، وبتسارعِ نموِّ الاقتصادِ الرأسمالي، تؤدي إلى اختصارِ الدورةِ الزمنيةِ للربح، وتكثيفِها، وتوسيعِ نطاقها. وهكذا تَتَشَكَّلُ فقاعاتٌ كبرى من المضارَبةِ في مجالاتِ الربح. وهكذا أيضاً تَغدو مراحلُ الأزمةِ جزءاً لا يتجزأُ من هذا الاقتصاد.

أما الأساليبُ الأخرى المُوَرِّمةُ للربح، فهي تخفيضُ الأجورِ عبر زيادةِ البطالة، والاستثماراتِ المتوجهةِ صوبَ البلدان ذاتِ الأيدي العاملةِ الرخيصة. وفي المحصلة، فإنّ هذا الشكلَ من الاقتصاد، الذي يَستقي مشاربَه من ثقافةِ التجارةِ وثقافةِ الصيدِ الغائرةِ في القِدَم، والمنتهزِ فرصةَ التقدمِ باكتسابِ مقدرةِ وكفاءةِ التلاعبِ بالأسعار، والمخترِقِ لحصارِ الرقابةِ الاجتماعيةِ عن طريقِ إرخاءِ الروابطِ الأخلاقيةِ والدينيةِ، والمُقَيِّدِ للسلطةِ عبرَ الديون، والمتنامي بتوطيدِ احتكارِه على السوق؛ إنّ هذا الشكلَ الاقتصاديَّ لا يُمكِنُ له إلا أنْ يصبحَ اقتصادَ النهبِ والسلبِ في نهايةِ المآل. كما إنّ إحكامَ قبضتِه على الصناعةِ بهدفِ الربح، وعملَه أساساً بتحديدِ بنيةِ الإنتاجِ والاستهلاكِ بموجبِ نسبةِ الربح، وتحميلَ البنيةِ الاجتماعيةِ والبيئةِ الطبيعيةِ أعباءً تَفُوقُ طاقاتِها، وما يتمخضُ عن ذلك من أزماتٍ وانهيارٍ وتفسخٍ واهتراء؛ كلُّ ذلك إنما هي ظواهرُ تُصاحِبُه منذ لحظةِ ولادته. لا شكَّ في أنّ الاقتصادَ برمتِه ليس كذلك. فلا التجارةُ والزراعةُ والصناعة، ولا تداوُلُ الأموالِ والتقنياتُ والأسواقُ من اختراعِ الرأسمالية. بل، وبالعكس، إنها المؤسساتُ الاجتماعيةُ الاقتصاديةُ الأساسيةُ المتعرضةُ لاستغلالِ ونهبِ وسلبِ الرأسماليةِ بأفظعِ الأشكال. وتتحددُ معالمُها بالتاريخِ والحضارةِ، لتتداخلَ في مسارِها مع السياسة.

هكذا أَكُون قد جَهِدتُ لإيضاحِ كونِ الاقتصادويةِ مفهوماً ونزعةً فكريةً تُحَرِّفُ وتُشَوِّهُ الحقيقةَ المعنيةَ بتعريفِ الاقتصادِ الرأسماليِّ بنسبةٍ كبرى.

 

يتبع…..

التعليقات متوقفه