عبدالله اوجلان حول الاقتصاد -5

0

الفصل الثالث

الاقتصاد في المدنية الدولتية

ج- الاقتصاد في مرحلة الدولة الإقطاعية

نرى بشكل عام أن شكل المجتمع العبودي للدولة دخل مرحلة الأزمة في الأعوام ما بين 250م – 500ق.م، لتنتهي تلك الأزمة بهيمنة المجتمع الإقطاعي كشكل أرقى. وقد لعبت الهجمات الخارجية لـ”البرابرة” المتسمين بمزايا المجتمع الطبيعي من جانب، وبالتردي والانحطاط الداخلي، وبتأثير النضال الذي ابتدأته الديانة المسيحية من جانب آخر؛ الدور المصيري في ذلك. لكن ما انهار هنا ليس الدولة، بل شكلها العبودي. أما الدولة، فستعزز نفسها أكثر، لتبلغ شكل الدولة الإقطاعية.

الدولة الإقطاعية: هو شكلُ العبودية المرنة بِحدود. فالفرق بين القن والعبد هو حقُّ الأول في تأسيسِ العائلة. وهو الشكلُ المُجَرَّب في مدنياتِ العصور الوسطى، باعتباره يفسح المجالَ أكثر أمام فائضِ الإنتاج والقيمة، حتى وإنْ كان عسيرَ التنفيذ عملياً، وموثوقاً بشروطٍ جمة. فضلاً عن أنّ مقاوماتِ وتمرداتِ الشعوب والقبائل والعبيد الأرقاء والمدن (الحِرَفِيين) تجاه فرضِ إرفاقهمِ عنوةً بالمدنية، أي بالعبودية والنهب والسلب التجاري؛ تُمثل فئةً أساسيةً أخرى لا تَعرف الخمودَ والهوادة. فالمدنيةُ نظامٌ عبودي دموي تعذيبيٌّ واستعماري استغلالي، لا يقتصر وجودُه على فائضِ القيمة في الرأسمالية (رأس المال) وحسب، بل ويكمن وراءَ الإنتاج الزائد (رأس المال) على مَرِّ خمسةِ – ستةِ آلافِ عام.

جسَّد مجتمع الدولة الإقطاعية أيضاً مرحلة مشابهة في نضوجها من حيث تمأسسه السياسي والعسكري. الدولة واثقة من نفسها ومعتَدّة لأبعد الحدود. فهي أقدس ما أنزله الإله على وجه البسيطة. وجنودها هم جنود الله. أي أن قناع القدسية متوطد تماماً. القوة الأولى فيها هي القوة السياسية، والثانية هي المفوضية الدينية، والثالثة هي العسكرية. في حين أن البيروقراطية تشكل القوة الرابعة. لقد ترسخت مؤسسات الدولة، كلٌّ في مكانها. ولا تفقد الدولة من قيمتها المؤسساتية إلى جانب توالي السلالات في استلام دفة الحكم. الأساس هنا هو المؤسسات، لا السلالات. والأمر عينه على مستوى الأشخاص أيضاً.

ويُرى في وجه الأرض – مرة أخرى – أنه هبة منحها الإله لحكامه عليها. وعلى العبيد أن يُبدوا رضاهم بذلك، بل وأن يشكروه دائماً على هبته تلك. غُلِّفَت الحروب بهالة من القدسية، فهي تُشَن باسم النظام الإلهي. ورغم أنها تناشد الإنسانية جمعاء وتنادي بالحرية والمساواة، إلا إن جباية الضرائب وجمع الغنائم هما المؤسستان الاستغلاليتان الأساسيتان فيها. أي أنها تواصل العبودية القديمة بجانبها هذا. في حين يتم إعداد جيوشها على نحو أكثر نظاماً ودائمية. لقد انتقلت منذ زمن بعيد من المحاربين المشكِّلين لحاشية الأمير إلى الجيش كمؤسسة بحد ذاتها، بحيث اعتمدت أنظمة الجيوش البرسية والهيلينية والرومانية أساساً، مع تأسيسها جيوشاً أضخم عدداً وعُدّة في العصور الوسطى. يشكِّل الخَيل والسيف رمزَي الجيش لهذه الحقبة، حيث تشهد مؤسسة الفرسان أوج ازدهارها، بكل أُبَّهَتها وعظمتها وأهميتها.

يُنظَر إلى الحروب كشكل من أشكال الإنتاج. ذلك أن الفتوحات هي موارد ربح وفير وهام. بمعنى آخر، ففتح الأراضي الجديدة يعني إنتاجات فائضة أخرى. والدولة الأقوى هي الدولة الأفضل في حربها وفتحها. التغذي على الدماء المراقة والاستغلال لا يأبه بأية حدود. فالجهاد في سبيل الله لا يمكن أن يكتمل، إلا بفتح العالم أجمع. وهذا بدوره ما مؤداه الجهاد الكوني والأبدي. تُعتَبر العبودية هنا حالة طبيعية متأتية من الله، في الحياة الاجتماعية. أي أن اصطلاح “العبودية” هو حالة فطرية منذ بداية الحياة، وليس حالة مكتسبة فيما بعد. فالناس يولدون ويموتون وهم عبيد. ويستحيل التفكير في شكل حياة أخرى عدا العبودية. إذ، ثمة الله، وثمة عباده. أما الملائكة والأنبياء، فهم الرسل المبلِّغون بأوامر الله. إذا ما حوَّلنا ذلك إلى اللغة السوسيولوجية، فالله هنا يمثل سلطة الدولة المجردة المتمأسسة. في حين ترمز الملائكة إلى جيوش الموظفين، ويشير الأنبياء والملائكة الأساسية إلى الوزراء وزمرة البيروقراطية العليا. أما إدارة شؤون المجتمع، فتتم عبر نظام “رموز” مريع حقاً. ثمة أواصر وطيدة بين الإدارة الظاهرية والإدارة الرمزية. وبدون فك رموز العلاقة الكائنة بين جانبَي الإدارة الملموس والرمزي، يستحيل بلوغ فهم وإدراك سليم للمجتمع. بمعنى آخر، إذا كنا نود استيعاب ماهية إدارة المجتمع بوجهها الحقيقي، فعلينا نزع الستار البانتيوني* (النظام الألوهي). وحينها سنرى أن الوجه الظالم والقبيح للقمعيين والاستعماريين الاستغلاليين مستتر تحت غطاء القدسية منذ آلاف السنين.

أما حالة المرأة المحبوسة في القفص، فثمة تغييرات طرأت عليها، بما يفيد بتمرين صوتها وتطوير زينتها، لا غير. ثمة عبودية غائرة ومتوارية بأبعاد لا تصدق. لقد تعرضت امرأة العصور الوسطى للانكسار الثقافي الكبير الثاني الجاري للمجتمع الجنسوي. فبينما نشاهد حصول الانكسار الثقافي الكبير الأول في ثقافة الإلهة إينانا – عشتار – في فترة ولادة الدولة العبودية؛ يمكننا مشاهدة الانكسار الثقافي الذي عاناه النظام الناضج (المستوي) إزاء المرأة، متمثلاً في مثال “ماريام” الأخت الكبرى لسيدنا موسى، وفي “مريم” أم سيدنا عيسى، و”عائشة” زوجة سيدنا محمد؛ بشكل ضارب للنظر. بالتالي، ومثلما لم يَعُد هناك أي أثر للألوهية الأنثوية، بات يُنظَر إليها ككائن أدنى إلى الشيطان. وأي اعتراض بسيط من المرأة، قد يجعلها الشيطانَ بعينه. وقد تبيع روحها إلى الشيطان في أية لحظة. وقد تُضِل الرجل وتحرفه عن هُداه. وفي حالة سوء أخلاقها، يتوجب حرقها وهي حية، لتلتهمها الألسنة الحمراء. ثمة ثقافة مجازر تمتد إلى حد وأد البنات وهن صغيرات، ورجمهن بالحجارة حتى الموت، واتهامهن بأنهن مخلوقات مثيرة للشهوات الجنسية لدى الرجال وسالبة عقولهم. لقد تسللت حالة العبودية الغائرة في الأعماق، داخل المجتمع منذ آلاف السنين، إلى أن بلغت أبعاداً لا تطاق. حقيقةً، لا يمكن استيعاب أبعاد مستوى عبودية النظام، ما لم تحلَّل المرأة. فما الحلقات المدورة* المعلقة في كل طرف فيها والمهر وأشياء الزينة، سوى انعكاس لثقافة العبودية. وقد حُرِمَت من التفكير وكأنها خرساء مبتور لسانها. إنها أُمٌّ جافة مجدبة، وحقل يستطيع الرجال استخدامه وحرثه كما يشاؤون. كما خرجت من كونها “جوهر، ذات” منذ أمد بعيد، فغدت “مادة، شيء”. لم يعد هناك أثر من الألوهية الأنثوية للمجتمع الطبيعي. لم يعد ثمة أي أثر للمرأة الحكيمة، مديرة شؤون الأطفال واليافعين؛ المرأة التي يلتف حولها الرجال ويدورون في مدارها.

القن، القروي، التاجر، المديني، المِهَني، والمعنيون بالفن والعلم. كما أن الأرض كأداة إنتاج، وعلاقات المُلكية المبنية عليها، والقانون المتطور؛ كلها تستلزم المعالجة الشمولية. فكون الأرض أهم وسيلة للإنتاج، وكون الحروب والفتوحات والنزاعات والصراعات اتخذت الأرض أساساً لها، وأن الطبقة الوسطى تنامت وتوطدت بما يؤهلها للعب دورها الهام في التطورات الاجتماعية؛ كل هذه الأمور تستحق الدراسة بعناية ودقة.

 

 

يتبع…..

التعليقات متوقفه