عبدالله اوجلان حول الاقتصاد -4

1

الفصل الثالث

الاقتصاد في المدنية الدولتية

 

ب- مكانة ظاهرة الاقتصاد في تكون المجتمع العبودي والمجتمع الدولتي:

الدولة العبودية: هو شكلُ الدولة الذي يَكُون فيه الناسُ تابعين للدولة وأسيادها الخاصّين الدولتيين، ليس بكدحهم وحسب، بل وبوجودهم الكلي، وذلك مقابل إشباعِ بطونهم. وهو الشكل الاستعماري الأساسي لحضاراتِ العصور القديمة، يَكُون فيه العبيد أداةَ الإنتاج الرئيسية.

إنّ العنفَ على هيئةِ الدولة يرى من حقِّه نهبَ وسلبَ كلّ ما تطالُه يداه في جميع المجالات على الصعيدِ الاقتصادي، الذي هو أَشبَهُ ما يكونُ بِضربٍ من ضروبِ فِديةِ العنف. العنفُ إلهيٌّ ومقدَّس. وكلُّ ما يفعله حلالٌ وعن وجهِ حق. ونخص بالذكر مراكزَه النواتيةَ في المدنياتِ الشرقِ أوسطية والصينيةِ والهندية، حيث تَنظُرُ البنيةُ السياسيةُ العليا – أو الكاست – إلى البنيةِ التحتيةِ على أنها نوعٌ من الاقتصاد، فَتَجِدُ في ذاتِها الحقَّ باللجوءِ إلى شتى أنواعِ القوى الإداريةِ عليها. ومثلما لم تَكُن الأسواقُ والمنافسةُ قد تَشَكّلتا بعد، فلَم يَتَشَكَّلْ أيضاً القطاعُ الاقتصادي كاصطلاحٍ بمعانيه الراهنة. ورغم وجودِ التجارة، إلا أنّ هذا النشاط هو أحد الوظائف الأساسية فيما بين الدول. فالتجارة بعيدةٌ عن الخصخصة. واحتكارُ الدولة هو احتكارُ التجارةِ في الآنِ عينِه. في حين أنّ مدنَ الأسواقِ لا تَبرُزُ بشكلٍ ناتئٍ إلا نادراً، عندما تَكُونُ في المناطقِ الحياديةِ المتوسطة فيما بين الدول. وهي بدورها تتحولُ إلى دولٍ مدينيةٍ خلال فترةٍ وجيزة. وباعتبارِ أنّ التجارةَ كانت تجري عبر القوافلِ في تلك المراحل، فعملياتُ النهبِ التي يَقُومُ بها “الرجلُ القوي” ومن ثم “الأربعون حرامي” و”القراصنةُ” و”قُطَّاعُ الطرق” تُعادِلُ في نفوذها نهبَ الدولةِ بأقلِّ تقدير.

يتبدى مجتمع الدولة العبودية ظاهرياً كمعمل ضخم، من الناحية الاقتصادية. ولكنه مختلف عن المعامل الحديثة بتقنياته وكيفية تبنيه. فالعبيد يُدفَعون فيه إلى العمل كسرب القطيع. يمكن استيعاب مدى استثمار كدح العبيد المروِّع والفظيع في الأرض ومناجم الفحم الحجري والعَمار، من خلال الآثار التي لا تزال باقية من هذه الحقبة الأثرية. فإدارة العبيد أعتى حتى من إدارة الحيوان. وما العبد سوى حيوان عامل. إنه مُلك، ومجرد أداة إنتاج. العبيد هم خارج دائرة القانون. وكأنهم “أشياء” لا عواطف لها. إن الشكل الذي بلغه الذكاء التحليلي في الرجل ضارب للنظر ومثير أكثر في حقيقة العبيد.

ويبدأ عصر، تُعلِن فيه “أنا” الإنسان بأنها الأعظم والأقدر. وينعكس المجتمع والطبيعة بعد ذلك كأثر من آثار المَلك الإله. تُولي كل الميثولوجيات الأولوية الأولى لهذا السرد. يعود مفهوم “الإله، صاحب كل شيء” في أصوله إلى الميثولوجيات السومرية والمصرية. ومن هذا المنبع سينعكس ذاك المفهوم على الكتب المقدسة. هكذا ستغدو سلطة الدولة خالدة أبدية. من هنا يتأتى المفهوم القائل بـ”الدولة الأبدية”، الذي لا يزال يُهتَف به. فلو أن الدولة لم تتطور، وبالأخص لو أنها لم تُزيَّن أو تجهَّز بالميثولوجيا، لما تعدت إطار كونها مؤسسة بسيطة أو تنظيم هزيل لقطاع الطرق الأشقياء. ولكنّ كون سلطة الدولة شديدة النفع والنجوع في تلك الحقبة، أدى إلى تصويرها كمؤسسة مقدسة خارقة، وإلى ترسيخها بهذا الشكل في كافة الأذهان. إذن، ومن هنا يمكننا الإدراك أنها تنظيم النهب والسلب الأكثر دقة ومكراً. في هذه النقطة بالذات، تبرز أمامنا قوة الأيديولوجيا. إنها تؤمِّن تعريف تنظيم النهب والسلب الأكبر، بأنه مؤسسة مقدسة بأمر إلهي. علينا أن نفهم جيداً أنه بمقدار ما يُعلى من شأن سلطة الدولة، وتُزركَش بالزخارف في مكان ما، فهذا معناه أن السلب الأكبر والمصالح الكبرى موجودان في ذاك المكان. وعندما يعكس الملوك الآلهة ذواتهم على هذه الشاكلة، يتمأسسون بوعي تام منهم لهذه الحقيقة. القصور الفخمة، الحاشيات العسكرية المؤلفة من أشجع الجنود وأقواهم، الاستخبارات الجيدة، قصر الحريم المؤثر والمثير، السلالة الذائعة الصيت والشهرة، الأشجار المتأتية من أصول إلهية، أصول النَّسَب وسجلاتها، الوزراء المتملقون والعبيد العابدون؛ كل أولئك هم أعضاء لا غنى عنهم في هذا التمأسس. أما قبور الأهرامات، فهي في الحقيقة قصرٌ في عالَم أكثر ديمومة. فالثياب، الصَّولجان، والمُهر؛ هي إكسسوارات لا تنقص الموتى المدثورين فيها. وما يتبقى أمام كافة أعضاء المجتمع وعبيده، ليس سوى التعبد الدائم والشكران المتواصل لهذا الكيان المقدس. وما المصطلحات الكثيرة الكثيرة بشأن صفات الإله في الكتب المقدسة، سوى صُوَر مكرَّرة نسبياً، ومعدَّلة بنسبة أخرى، لصفات الآلهة الملوك الأوائل في سومر ومصر.

فإذا ما مات أولئك الآلهة الملوك – أو بالأحرى رحلوا إلى العالم الآخر – تُدفَن وإياهم حاشياتهم برمتها، وهي حية ترزق. ذلك أنه لا يمكن التفكير في حاشية منفصلة عن جسد المَلك. الغرض الأساسي من دفنهم مع الجثة، هو قيامهم على خدمة ملوكهم في العالم الآخر. أما ذُرِّيَّتهم الباقية على قيد الحياة في الدنيا، فهي مكلفة بمواصلة سيرورة وجودهم. بهذه الشاكلة – نوعاً ما – نشأ مصطلح “الخلود”. إننا نرى في هذا المثال، وبما يثير الأنظار، كيف قام الذكاء التحليلي بتحويل المجتمع، بعد انقطاعه عن الحقائق الواقعية. فبناء هرم واحد من تلك الأهرامات يتطلب العملَ المميت من مئات الآلاف من العبيد.

تحقق مؤسسة المُلكية أيضاً بداية سليمة في مجتمع الدولة العبودية. إذ يعتمد جوهر النظام على امتلاك المجتمع الفوقي للمجتمع التحتي، بكل ما فيه. فالملوك الآلهة ومساعدوهم هم أصحاب كل شيء. وتبني الأشياء هو الثمرة الطبيعية للحاكمية والهيمنة. و”أنا” الإنسان إذا ما وجدت الفرصة لبروزها، فهي تتسم بخصائص لا تعرف الحدود. أسفر انعدام المؤثرات المحدِّدة في عهد تأسيس النظام، عن بروز القوة المَلكية الإلهية. يتسلل نظام المُلكية، التي لم يشهدها المجتمع الطبيعي، إلى كل مؤسسة، بدءاً من مُلكية الدولة وحتى العائلة. وتُخلَق لدى الجميع عاطفة التملك. تُعد المُلكية دعامة الدولة، وتقدَّس وتبجَّل. لم يبقَ سوى استملاك كل العالم بعد ذلك. وتُنقَش حدود المُلكية في جينات البشرية بأشكال وأغطية متنوعة، من قبيل: حدود الدولة، أراضي السلالة، تخوم الوطن؛ لتمتد إلى يومنا الراهن وكأنها ضريبة إلهية. في الحقيقة، إن المُلكية تعني السلب الحقيقي، باعتبارها مصدر السمسرة. فهي المؤسسة الأكثر إفساداً وتعطيباً لتعاضد المجتمع الجماعي. لكنها من جانب آخر المؤسسة الأهم على الإطلاق، ولا غنى عنها لتغذية المجتمع الفوقي.

تتشكل ظاهرة “المُلكية” في أغوار عواطف الانتساب الاجتماعي والهوية الاجتماعية، إلى جانب بروزها إلى الوسط في فترة التمايز الطبقي من سياق التطور الاجتماعي. قد يكون من الناجع الفصل بين شكلين من أشكال المُلكية. حيث بالمقدور تعريف المُلكية الجماعية أساساً بأنها إرادة التصرف بأي شيء تستدعيه الضرورة المشتركة من أجل مجموعة منظمة معينة. فكل فرد من الجماعة له نفس الحق في التصرف (الانتفاع من إرادة الاستخدام والاستهلاك) بالشيء المعني. في الحقيقة، لا يمكن القول بأنها مُلكية بكل معنى الكلمة، انطلاقاً من ماهيتها هذه. فالجماعية تعني إنكار المُلكية الخاصة. أما المُلكية الخاصة، فتعني إرادة التصرف والاستهلاك المتزايدة من قِبَل الفرد أو مجموعة الأفراد، على حساب المُلكية الجماعية العامة. تمثل الحضارةُ الشرق أوسطية المجتمعَ الأقدم الذي شهد المُلكية، انطلاقاً من نوعيتها الأقدم في معايشتها التمايز الطبقي. وقد تَشَكَّل التدوُّل بتأسيس مُلكية في أطرافه، بحيث تشهد النوعين الجماعي والخاص من المُلكية بشكل متداخل. بمعنى آخر، فقد تشكل نظام مُلكي جماعي وخاص متداخل مع التدول، وليس على الشاكلة التي تقول بتأسس أصحاب المُلكية الخاصة أولاً، ومن ثم بناء نموذج الاستيلاء على الدولة. وبقدر تدول الشريحة العليا، تكون صاحبة للمُلكية. فالدولة بحد ذاتها تعني الإعلان عن الحدود التي تهمين عليها كمُلك لها. والدولة ذاتها هي أكبر شراكة مُلكية. وهي وحدة للمُلكية الخاصة. كما أنها تسمح بوجود محدود للمُلكية الخاصة في الشرائح السفلية والوسطى، والتي بدورها لا تتخلص أبداً من مصادرتها على التوالي. لهذا السبب لا تتطور المُلكية الخاصة فيما بينها كثيراً. ذلك أنه ما من ضمان جدي للمُلكية الخاصة خارج إطار الدولة. يوضح هذا الوضع – بما فيه الكفاية – أسباب عدم تطور المُلكية الخاصة بقدر ما تطورت في الغرب. فطراز تكوُّن الدولة عامل مؤثر أولي في تحديد كيفية تطوير التملك.

إنّ تعريفَ الدولة على الصعيد الضيق بالاحتكارِ الاقتصادي المتأسس على فائضِ الإنتاج والقيمة، يُنِير الأمرَ أكثر. فالدولةُ تُنَظِّم نفسَها كبنيةٍ احتكاريةٍ عليا مُسلَّطةٍ على المجتمع بكافةِ الوسائل، بدءاً من الأيديولوجية إلى التعسفيةِ العنفية، في سبيلِ امتصاصِ وتسريبِ فائضِ الإنتاج والقيمة من المجتمع إليها. وإذا ما نظرنا للأمر على ضوءِ هذا التعريف الضيق، سنجد أنّ السياسةَ (سياسة الدولة) في آخرِ مطافها تعني فنَّ الإدارة المنسِّقة والمشرفة على تحقيقِ فائضِ الإنتاج والقيمة. وإذا ما ربطنا ذلك بصياغةٍ عامة، يمكننا القول: الدولة = فائض الإنتاج والقيمة + الوسائل الأيديولوجية + أجهزة العنف + فن الإدارة. القول بكون الدولة تعني نهبَ وسلبَ فائضِ القيمة أمرٌ صحيح، لكنه تعريفٌ ناقص للغاية. الدولة الزراعية؛ أن تعريفُ الدولة على هذا النحو يسلط الضوءَ عليها جيداً، نظراً لكونها في بداياتِ تأسيسها قد انتظَمَت كإدارةٍ تَعمل على الاستيلاء والاستحواذِ على فائضِ الإنتاج الزراعي. بالتالي، بالمستطاع الحديث عن وجودِ دولةِ الزراعة على مَرِّ التاريخ بالتناسب طرداً مع قوةِ الزمرة الزراعية في العديد من الدول أو داخل أجهزتها.

نظامُ رأسِ المال ليس – كما يُعتَقَد – منتوجاً للرأسماليةِ القائمة خلالَ القرون الأربعة الأخيرة، بل هو منتوجُ المدنيةِ الدولتية المعمرةِ خمسةَ آلافِ عام. وفائضُ الإنتاج البارز في الزراعة يُشَكِّلُ الأرضيةَ الماديةَ لنشوءِ رأسِ المال، حيث مارسَ أولَ تنظيمٍ له على أرضيةِ المعبد. فهذا النظامُ الذي يَكُون فيه الطابقُ الأعلى للإله (الحاكم الأعلى)، والطابقُ الأوسط للراهبِ كقوةٍ تشريعية (نائب الحاكم الأعلى، وسفيره المعني بالجماعات والعبيد)، والطابقُ الأسفل للعبيدِ العاملين مقابلَ إشباعِ البطن؛ إنما تَكاثَرَ، وانقسَمَ وتفكَّكَ، وتضاعفَ تصاعدياً إلى أنْ وَصَلَ راهننا. أما التمدنُ والتحولُ الطبقي والتدول، فهي في نهايةِ المطاف من ثمارِ فائضِ الإنتاج. إنّ تعريضَ المجتمعِ لتقسيمِ العمل الدائم بهدفِ مضاعفةِ فائضِ الإنتاج، وتصنيفَه إلى مراتب، وتسليحَه بالقوة، وزَجَّه في وضعِ الدفاعِ والهجوم؛ إنما يفيد بِكَونِه الظاهرةَ المسماة بالتمدن، ويسلطُ الضوءَ بكلِّ سطوعٍ على روابطها مع رأسِ المال. وبالرغم من كونِ رأسِ المال يُعَرِّف نفسَه من حيث معناه الضيق بأنه مضاعفةُ الذات اقتصادياً خلال فتراتٍ قصيرة، لكنه مطابقٌ من حيث الجوهر مع معناه الشامل الذي يعني مضاعفةَ الذات خلال فتراتٍ طويلة. فبقدرِ ما يَكُونُ الزائدُ اليومي للتاجرِ رأسَ مال، يمكن – وبكلِّ سهولة – تعريف فائضِ الإنتاج السنوي بالنسبةِ لاحتكارِ الأراضي (الدولة الزراعية) بأنه رأسُ مال أيضاً.

الاحتكارُ هو تنظيمُ التسريبِ والنهبِ الأعظميِّ لفائضِ القيمةِ مِن المجتمعِ ضمن الظروفِ الزمانيةِ والمكانيةِ المختلفة، وبشتى الأساليبِ المتنوعة. حيث يَستولي على فائضِ الإنتاجِ الزراعيِّ الهائلِ في مجتمعِ سومر ومصر وهارابا منذ أعوامِ 3000 ق.م بالأساليبِ المنظَّمة التي يُمكِنُنا نعتَها باشتراكيةِ فرعون. إنه نموذجُ التكديسِ الكبيرِ الأولِ لرأسِ المال. حيث تَمَّ بلوغُ إنتاجٍ مذهلٍ مقارنةً مع المجتمعِ النيوليتيّ. وهذا ما وَلَّدَ معه المدينةَ والطبقةَ والدولة. هكذا تُفتَحُ الأبوابُ أمام أولِ عصرٍ استغلاليٍّ عظيمٍ بالتربعِ على إمكاناتِ فائضِ الإنتاجِ البادئِ منذُ زمنٍ بعيدٍ في المجتمعِ النيوليتيّ، واستغلالِها بأساليبِ العنفِ أو بطرقِ الاحتكارِ التجاريّ. لا ريب أنّ الأساسَ في اشتراكيةِ فرعون هو استغلالُ العِبادِ المستخدَمين تماماً كفصيلةٍ من الحيواناتِ مقابلَ إشباعِ البطن. باقتضاب، هكذا تَكُونُ الحلقةُ الأولى الأصليةُ من استغلالِ المركز – الأطراف الراهن قد تَشَكَّلَت على هذا النحو. وبالمقدورِ رؤيةَ التطوراتِ في هذا الاتجاهِ ضمن المجتمعِ السومريِّ أيضاً على ضوءِ الوثائقِ الموجودةِ في حوزتنا، والتِماسَها بكلِّ أشكالِها العلنيةِ والمستورة.

لا ريب أنّ هذا النمطَ مِن الإنتاجِ وسلبِ فائضِ الإنتاج، مَهَّدَ الطريقَ أمام قضايا أثقل وطأةً من الخنجرِ المغروسِ في صدرِ المجتمع. وتاريخُ الميثولوجيا والأديانِ مليءٌ بأقاصيصِ هذه القضايا. فمثلاً، مَلحَمَةُ كلكامش الأولى، طوفانُ نوح، أساطيرُ آدم – حواء وهابيل – قابيل ، وتصوراتُ الجنة – النار، والصراعُ بين الإلهِ أنكي والإلهةِ إينانا، وتناقضُ الراعي – المُزارِع؛ كلُّها عندما تُعرَضُ على شكلِ سرد، إنما تُشيرُ مضموناً وبكلِّ جلاء إلى الخنجرِ الذي غَرَسَه فيها الاحتكارُ بلا رحمة، أي أنها تسعى لِعكسِ السطوِ على فائضِ الإنتاج، والذي يتحقق بالعنفِ والتشغيلِ التعسفيِّ و كأنهم دواب. غير مُكتَفٍ بنهبِ وسلبِ أملاكِ وأشيائ وأراضي الجماعات، بل ويَأسِرُ كلَّ مَن يراه مفيداً في الجماعة، ويَقتلُ البقية. إنّ بُنى القِلاعِ والأسوارِ والقبورِ وحَلَباتِ المصارعةِ والقصورِ والمعابد المدهشة، التي تَترُكُ الناظرَ إليها مذهولاً حتى في يومنا؛ كانت تُبنى بمثلِ ذاك النوعِ من الأسرى. ولو لَم يُشَغَّلْ الملايين منهم في الزراعةِ المرويةِ بوساطةِ قنواتِ الريِّ الأولى، لَما كان سيتمُّ الحصولُ على هذا القدرِ من فائضِ الإنتاج، وما كان بالإمكان بناءَ تلك البنى الحجريةِ العملاقةِ بالطبع. فضلاً عن أنه ما كان بالإمكان ضمانَ حياةِ الرفاهِ كما الجنةِ بالنسبةِ للاحتكار أيضاً.

فالمدنيةُ – كنظامٍ استمر حتى مستهلِّ أعوامِ 2000 ق.م – اتسمت أثناءَ ولادتِها وتطورِها بنسبةٍ عليا من طابعِ الدموية والاستغلال، وتأسيسِ المدن وتدميرها، والتحالف، والاستيطان، وبسطِ الهيمنة. وفي الأراضي المرويةِ المعطاءةِ التي يَعمل فيها العبيدُ الأرقاءُ مقابلَ إشباعِ بطونهم، قد شَهِدَت إلى جانب الزراعة نماءً في التجارةِ والحِرَف، أسفرَ عن زخمٍ هائلٍ من فائضِ الإنتاج. ونظامُ المدنية ذاك المتأسسُ على أرضيةِ هذا الإنتاج، أي الثقافة المادية، يقوم بإنشاءِ ثقافةٍ معنويةٍ مهيبةٍ وعظيمة، ليُؤَلِّه مجموعاتِه الحاكمة، بينما يَحُطُّ من شأنِ العبيد العاملين باعتبارهم مخلوقين من بُرازِ الآلهة. ينبغي الإدراكَ جيداً بأنّ انعكاسَ الحياةِ المادية في أساطيرِ الولادة والإنشاء على هذا المنوال أمرٌ جليٌّ للغاية. أما الإلهةُ – الأم المبدعة، فيتم خلقُها من ضلعِ الرجل الأيمن (الضلع الأعوج). لَكَم هي مثيرةٌ تلك الأساطير، فهي تَعكِس بكلِّ سطوعٍ كيفيةَ خنوعِ المرأةِ الأم بشكلٍ مطلق. لقد غدت الحياةُ أمراً يُدرَك ويُفَسَّر وفق اللغةِ التي تُؤلِّفها الأساطير.

ستستمرُ هذه القصةُ اتساعاً وعمقاً حتى يومنا، وصولاً إلى العامِلِ والعاطلِ عن العملِ وشتى أنواع العَبيدِ الخاضعين إلى الإفقار. تعريفُ مرحلةِ المدنيةِ من التاريخِ الكونيّ، وتحديدُها بفتراتِها الرئيسيةِ يتحلى بأهميةٍ قصوى. فالمدنُ التي تستفيدُ جيداً من الاحتياجاتِ التجاريةِ للمنطقةِ الريفية، والمُشَيَّدَةُ تأسيساَ على مُخَطَّطِ وتقنيةِ تلبيةِ ذلك بإنتاجٍ أكثر إثماراً؛ لا تؤدي دوراً سلبياً في مَطلَعِها. بالعكس، فهي تُسَرِّعُ من وتيرةِ التطورِ الاجتماعيِّ ضمن تناغُمٍ وتحالُفٍ مع المنطقةِ الريفية. إلا أنَّ الحروبَ والصراعَ على الفوائضِ الاجتماعيةِ التي أُفسِحَ المجالُ أمامها وباتت تقتضي التراكُمَ الضخم، وكذلك مراحل التمايزِ الطبقيِّ والتدولِ المعتمدة على المدينة؛ تغدو خطراً يُحيقُ تدريجياً بالكادحين الريفيين والمدينيين، وبكلِّ الأنظمةِ القَبَلِيَّةِ على السواء. أي، وحسبَ تعبيرِ هيغل، يتمُّ إخضاعُ المجتمعِ إلى التناقضِ والعلاقةِ القائمَين عموماً بين العبدِ – السيد. وسوف يَمُرُّ سياقُ المدنيةِ من التاريخِ الكونيِّ مشحوناً على الدوام بالحروبِ الناجمةِ عن ذاك التناقض، ومليئاً بأشكالِ الدولةِ المتأسسةِ إلى جانبِ تلك الحروب. والتاريخُ بهذا المعنى “مذبحةُ الإنسان”.

تلك القوى، التي يمكننا اصطلاحها بشكلٍ فظٍّ بأنها الزمرُ الاحتكارية الزراعية والتجارية؛ يمكننا إطلاق تسميةِ المدنية على نظامها (شكلها) الاجتماعي الذي تُكَوِّنه من الكليات والتكاملات الثقافية المادية والمعنوية المؤلِّفةِ لنواةِ الأجهزة الأيديولوجية والسياسية والعسكرية المتكاثفة حول المدينة. ونظراً للشكلِ السائد بالنمط العبودي في استغلالِ الكدح والجهد، فسيَكُون نعتُ تلك النظم بـ”المدنيات العبودية” ذا معنى. بمقدورنا الفصل بين فرعَين مورِسَت المنافسةُ والمنازعةُ من خلالهما على مَرِّ التاريخ الحضاري: أولاً؛ في كنف المدنية ذاتها، فيما بين الاحتكارات عموماً، وفيما بين الاحتكارات الزراعية والتجارية خصوصاً. وثانياً؛ فيما بين جميعِ القوى الاجتماعية (الطبقة، القبيلة، العشيرة، الشعب، الحِرَفيّ) المتناقضةِ مع النظم المدينية. ووفقاً لطبيعة الحروب، فبقدرِ ما تقتات من كِلا الفرعَين، فإنها تُطَوِّرهما دائماً – ولنفسِ الأسباب – في أوساطِ الثقافة المادية والمعنوية التي يَسودها الصراعُ والمنافسة الكثيفة، بغرضِ إحرازِ النصر والغالبية. وتبدأ الكيانات، التي ننعتها بالتفاعلات المتسلسلة، بالظهور في التاريخ الحضاري.

مجتمعُ الزراعةِ – القرية المبتدئ بين أعوامِ 15000 – 12000 ق.م بَعدَ مجتمعِ القطفِ والقنص المُهيب (معبد Dikilitaş، أي المعبد ذو الأعمدة الحجرية المنتصبة، في أورفا يُسَلِّطُ الضوء على هذه الحقبة)، قد انتقلَ إلى مرحلةِ الحَبْوِ والاستقرارِ الكليِّ مع التوجهِ نحو أعوامِ 6000 ق.م؛ وذلك في الأراضي التي تلتقي فيها سلسلةُ جبالِ زاغروس – طوروس مع السهولِ المنخفضةِ المقتاتةِ على نهرَي دجلة والفرات، والتي تتميزُ بمناخٍ طبيعيٍّ للرَّيّ، وتَمتَلِكُ أنواعاً وفيرةً من النبات والحيوان. حيث يَشهَدُ مجتمعُ الزراعةِ – القرية أروعَ مراحله إبداعاً فيما بين 6000 – 4000 ق.م، لِيَبدأَ بتصديرِ نفسِه إلى جميعِ الأصقاعِ اعتباراً من أعوامِ 5000 ق.م. ما يَجري هنا هو قلةٌ نادرةٌ من المهاجرين، وكثرة وفيرةٌ من التصديرِ الثقافي. وثقافةُ آل عُبَيد المتناميةُ تصاعدياً بالالتفافِ حولَ الزراعةِ المروية في ميزوبوتاميا السفلى ما بين 5000 – 4000 ق.م، قد تَعَزَّزَ شأنُها لدرجةِ شروعِها بالسياسةِ الاستيطانية المضادةِ على ميزوبوتاميا الشمالية. وقد وُجِدَت بقايا أثريةٌ شاهدةٌ على هذا التوسعِ الاستيطانيِّ الثقافيِّ في ميزوبوتاميا العليا خلال أعوامِ 4000 ق.م. إلا أنّ الثقافةَ الذاتيةَ للمنطقة لا تزال محافظةً على أَولَوِيَّتِها. أما عهدُ أوروك، فيتصاعدُ في مرحلةِ ما بين 4000 – 3000 ق.م، مُمَثِّلاً ولادةَ المدينة. وملحمةُ كلكامش تَنُصُّ على هذا التقدمِ الساحر، وتشيرُ إلى توسعِ أوروك بشكلٍ مشابهٍ صوبَ الشمال. وتَرجحُ كفةُ الاحتمالِ بأنّ ثقافةَ كِلتا المرحلتَين استلمت زمامَ تفوقِها في الحملة بإثمارِ إنتاجِها الزراعيِّ وصناعتها للغزلِ والنسيجِ والصحونِ الفخارية. ومرحلةُ 3000 – 2000 ق.م هي عهدُ سلالاتِ أور الكلاسيكية. خاصيتُها المميِّزة هي تكاثُرُ المدنِ وصراعاتُ التقاسمِ الدائمةُ والمحتدمةُ فيما بينها. وبالإمكانِ تسميتها بحروبِ إعادةِ التقاسمِ بين الاحتكاريين الأوائل. تُعاشُ تطوراتٌ في نمطِ كِلتا الحضارتَين مع تلك الحركاتِ التوسعيةِ الاستيطانية والمضادة للاستيطانِ لأولِ مرةٍ في التاريخ. فبينما تَلِجُ الشرائحُ الهرميةُ مِن القبائل مرحلةَ التدول، فإنّ الكثيرَ من أعضاءِ القبائل أُضيفوا إلى طبقةِ العبيد، لِتَشهَدَ صفوفُ القبائلِ والعشائرِ تمايُزاً وفَرزاً واضحاً. فمِن جهة يتمّ اشتقاقُ مدنياتِ المدنِ الجديدة، ومِن الجهةِ الأخرى يتقوى تآزُرُ وتعاضُدُ التنظيماتِ القَبَلية والعشائرية.

لا وجودَ للمدنية من دون تجارةِ ميزوبوتاميا والتجارة عموماً. فإما أنْ تنهار كلتاهما أو إحداهما فجأةً، أو أنْ تتوازنا وتتكافآ. لقد وُجِد الغالِبُ والمغلوب، لكنّ حالةَ التوازن، ومراحلَ عدمِ غالبية كِلا الطرفَين كانت أطولَ زمناً. وكمثالٍ على ذلك مجدداً: الصراعُ والتوازن بين آل عُبَيد وأوروك. فقبل ذلك كان كِلاهما في حالةِ صراعٍ وتوازن مع المجتمع في ميزوبوتاميا العليا. كما نشبت صراعاتٌ مهوِّلة بين سلالاتِ أور وأكاد، وحصل التوازن بينها، ولكن، ثمة أيضاً مراحلُ مُسِحَت فيها أور وأكاد من صفحاتِ التاريخ. هذا وشهد الأكاديون والكوتيون مراحلَ اشتباكاتٍ وسحقٍ وتوازن. فضلاً عن أنّ بابل وآشور كانتا متوازنتَين ومتصارعتَين. كما مرت مراحل من الحرب الضروس والتوازنات بفواصلَ زمنيةٍ متقاربةٍ فيما بين البابليين والآشوريين من جهة، والهوريين عموماً من جهة ثانية (بما فيهم الحثيين، الميتانيين، الكاسيين، الميديين، والأورارتيين). في حين أنّ مراحلَ التوازن والحرب حافظت على وجودها بين الحثيين والمصريين. وفي نهايةِ المآل، نشبت حروبُ “الألف عام” (550 ق.م – 650 م) بين الإغريق – الرومان والبرسيين – الساسانيين. هكذا هي الصراعاتُ والمسالماتُ داخل زمرِ المدنيات وفيما بينها!

يشيرُ التاريخُ إلى انتشارِ التجارةِ بدءاً من أعوامِ 4000 ق.م. حيث نعثرُ على مستوطناتٍ تجاريةٍ منتشرةٍ بالارتباطِ مع الحضارةِ القائمةِ في ميزوبوتاميا السفلى حولَ مدينةِ أوروك، التي هي أولُ دولةٍ مدينية (4000 – 3000 ق.م)، وكذلك على طولِ الخطِّ من عيلام الواقعةِ في جنوبِ غربي إيران إلى المناطقِ المعروفةِ اليوم بـ ألازغ Elazığ وملاطية Malatya في ميزوبوتاميا العليا. وهكذا تُفتَح مصاريعُ أُولى الأبوابِ الاستعمارية. إننا نشاهدُ قبل ذلك وجودَ استيطانِ العُبَيدي (ثقافةُ آل عُبَيد الأبويةُ البطرياركيةُ الأولى الملاحَظةُ قبلَ نشوءِ الدولة) كثقافةٍ مهيمنةٍ قبلَ عهدِ أوروك (5000 – 4000 ق.م). يتداخلُ نشوءُ الاستيطانِ والتجارةِ معاً. فمقابلَ الأوعيةِ والصحونِ الفخاريةِ ومنتجاتِ النسيجِ كانت تُنقَل بالأغلب المعادنُ والأخشاب. وتَتَشَكَّلُ السوقُ مع نشوءِ التجار، وتَتَحَوَّلُ مراكزُ تقديمِ العطايا والقرابين رويداً رويداً إلى أسواق. وهنا يمكننا تسمية التاجرِ المتفردِ بوضعِ السعر البدائيِّ لِقِيَمِ سلعِ المناطقِ المختلفةٍ بالرأسماليِّ البدائي. ذلك أنه، وعبر مقدرةِ تحديدِ الأسعار، ينجحُ في ادخارِ سلعٍ عَجِزَ عن ادخارِها سابقوه جميعاً.

ثقافةُ أوروك توسعيةٌ وفقاً لطبيعةِ بنيتها. فاتساعُ المدينةِ على جميعِ الأصعدة مع زيادةِ العطاء والإنتاج، وبسببِ تحملها الزيادةَ السكانيةَ إلى حدٍّ معين، قد أدى إلى ولادةِ المدن المجاورة على التوالي. فالثقافةُ القروية في الهلال الخصيب أيضاً كانت قد تكاثرت على هذه الشاكلة، لتتمخض عن تأسيسِ سلسلةٍ متعاقبةٍ من القرى. هكذا تتسع نطاقاتُ حزامِ القرى الأول كالتيهور (اعتباراً من أعوام 10 آلاف ق.م)، بدءاً من نوالي جوري (أورفا – سيفرك على ضفاف نهر الفرات) إلى جايونو (ديار بكر – أرغاني Ergani على ضفاف إحدى فروع نهر دجلة)، ومنها إلى جميه خالان (بالقرب من نهر باطمان Batman Çayı)، وهكذا وصولاً إلى كركوك في الأسفل. هذا هو الحَدَث الذي أسميناه بازدهارِ الثقافات. وتَحَوُّلُ أوروك إلى ثقافة أيضاً سلك مساراً مشابهاً. إنّ تكاثُرَ المدن يعني زيادةَ المنافسة. فنظراً لأنّ المدينةَ تعني السوقَ في الوقت عينه، فالثقافةُ الجديدة تَحمِلُ في ثناياها عنصرَ المنافسة حيثما حَلَّت. والتجارةُ باتت مهنةً محطَّ الأنظار منذئذ، بل وكانت الصناعةُ المِهَنِيةُ المعنيةُ بالزراعةِ والمواصلات قد وُلِدَت آنذاك. أما النزاعُ والصراع بين المدن، فسوف يجلب معه مشكلةَ الهيمنة، بطبيعة الحال. مما يعني أن سياقَ العبور من دولةِ المدينة إلى الإمبراطورية البدائية (وهذا ما يعني بسطَ نفوذِ وحكمِ الشخص عينه أو السلالةِ عينها على كلِّ المدن القائمة) سيفرض نفسَه تدريجياً.

ستُقحِم حاجةُ أوروك للتجارة الساحةَ النيوليتيةَ في مرحلةِ التمدن والاستيطان مبكراً. فالعديدُ من المعطيات التي في اليد تبرهن وجودَ مساحةِ انتشارٍ وعملياتِ استيطانٍ أكثرَ رقياً في أوروك، بالحذوِ حذوَ زخمِ المستوطناتِ المعتمدة على ثقافةِ آل عُبَيد. ونخص بالذكر العثورَ على مستوطناتِ أورك الراقيةِ للغاية على سواحلِ نهرِ الفرات. كما تُثبِت اللقى الأثريةُ التي في متناولِ اليد وجودَ نزوعٍ يعكس قيامَ التمردِ من جهة، وتبادلَ البيع والشراء من جهةٍ أخرى في ثقافةِ ميزوبوتاميا العليا – التي لم تُوقِف حلقاتِ التوسع أصلاً منذ عهدِ ثقافةِ تل حلف – تجاه حركةِ الاستيطان المتطورة في أوروك منذ أعوام 3500 ق.م. كما ثمة حفرياتٌ في أطلالٍ كثيرةٍ تشير إلى بدءِ التمدن في المنطقة في أعوام 3000 ق.م بفضلِ ديناميكياتها الداخلية القويةِ جداً. وجميعُ اللقى المتزايدةِ مع مرورِ الأيام تحث على التفكير بانتقالِ ثقافةِ المدينةِ من منطقةِ النبع الأم صوبَ ميزوبوتاميا السفلى، تماماً مثلما انتقلت إلى مصر وعيلام وهارابا. ونخص بالذكر حفرياتِ التاريخِ القريب في مكانِ إقامةِ كوباكلي تبه بالقرب من أورفا، والتي تمخضت عن لقى قادرةٍ على تغييرِ الآراء الحالية وتعديلها (حيث برهنت على بدئها في أعوام 10000 ق.م). فقد تم تثبيت وجودِ ثقافةٍ يمكن اعتبارَها عملاقةً مقارنةً بعهدها، وذلك قبل أنْ تشهد الترييف . ويَرجح الظنُّ بأنها كانت ثقافةَ المعبد. فرغم أنّ الأعمدةَ المنتصبةَ لا تكفي لتحليلِ المعنى، ولكن، من المؤكد أنها تعكس ثقافةً جِدَّ راقية. والبحوثُ الحديثة قد تؤدي إلى انزلاقِ المركز الثقافي وتَبَدُّلِه.

بَرَزَ عهدٌ تكاثَفَت فيه العلاقاتُ والتناقضاتُ بين المدنياتِ في عهدِ السلالاتِ الجديدةِ لكلٍّ من بابل، آشور، مصر، والهوريين – الميتانيين – الحثيين. ولأولِ مرة بَدَأَ عهدُ المدنيةِ المركزيةِ المهيمنة. إنه عهدٌ مختلفٌ من العولمة. هذا واستمرَّت الهجماتُ المتواصلةُ دون انقطاع على مراكزِ المدنيةِ مِن قِبَلِ الأنسابِ القَبَلِية الشماليةِ والقبائل الجبليةِ والصحراوية في الشرقِ الأوسط، وذلك بفضلِ التقنياتِ والخبراتِ الأخرى التي انتَهَلَتها من المدنية. فقد طَوَّرَ البابليون الصناعةَ والعلم، وأسَّسَ الآشوريون احتكارَ التجارة، لِيُواصِلوا مساعيَ إنقاذِ المدنيةِ السومريةِ مِن القضايا المتفاقمةِ التي عانت منها، ونشرِها دون انقطاع. فبابل كانت فعلاً لندن وباريس وأمستردام والبندقية الحقيقية لعصرها في مجالِ الصناعة. بل وكانت في عهدِ زُهُوِّها ذاتَ شُهرةٍ تُضارِعُ نيويورك الحاليةَ ألفَ مرة. وحتى الإسكندر لَم يَلتَقِطْ آخِرَ نفسٍ له عبثاً في بابل التي أَفلَ نَجمُها. بل وربما كان صَدَّام آخِرَ ضحيةٍ مأساويةٍ لِعشقِ بابل. وثمة الآلافُ الآخرون أيضاً، بحيث لا تتَّسِعُ لهم الكتابة. أما عندما أَجهَدُ لتحليلِ الاحتكارِ التجاريِّ لآشور، فلا تنفكُّ الاحتكاراتُ التجاريةُ للبندقية وهولندا والإنكليز تخطرُ ببالي فوراً. في الحقيقة، ربما كانت الاحتكاراتُ التجاريةُ الآشوريةُ أكثرَ الشركاتِ إقداماً وإبداعاً في التاريخ، إلى جانبِ الفينيقيين. ولا جدال في أنهم طَوَّروا الشبكاتِ التجاريةَ الواسعةَ (الوكالات التجارية الشهيرة، أي أماكن ومقرات العمل) من آسيا الوسطى (يُشار إلى أنهم بانوا حتى في الصين) إلى غربي الأناضول، ومن البلادِ العربيةِ إلى سواحلِ البحرِ الأسود. مِن المؤكَّدِ أنهم أَسَّسوا أولَ إمبراطوريةٍ تجاريةٍ ضخمة. وبهذا المعنى، فهذا الأخطبوطُ التجاريُّ الذي يُظهِرُ نفسَه على شكلِ ثلاثِ مراحل خلالَ أعوامِ 2000 – 1600 و1600 – 1300 و1300 – 600 ق.م، إنما هو الأولُ من نوعه. لكنّ التجارةَ أيضاً لَم تَذهبْ قيمةُ حَلِّها أبعدَ من التوسيعِ والتجذيرِ المحدودَين للمدنيةِ السومريةِ المركزية. علماً أنّ الاحتكارَ التجاريَّ هو على الدوام شريكُ الاحتكارِ الأمِّ المؤلَّفِ مِن الراهبِ + العسكري + الحاكم. أما النزاعاتُ التي فيما بينهم، فلا تَذهَبُ أَبعَدَ مِن الصراعِ على الحصص. ومع ذلك، مِن المحالِ بتاتاً الاستخفافَ بِكَونِ آشور نَقَلَت المدنيةَ السومرية المركزيةَ معها حوالي ألفاً وخمسمائة عامٍ بِحالها. إنها مِن أقوى حَلَقاتِ سلسلةِ المدنية.

في حين أنّ هارابا، عمان، الحثيين، الميتانيين، ومصر انهاروا داخلياً وبسهولة، بسببِ عجزهم عن إحرازِ النجاح عينه. هذا ولا يُمكِن إنكارَ كونِ الآشوريين أَثَّروا في المدنيةِ الإغريقيةِ بوساطةِ التجارة، وعن طريقِ الفينيقيين والميديين – البرسيين والحثيين لاحقاً؛ لِيُؤَدّوا الدورَ الأكثر تعييناً في استمرارِ المدنيةِ المركزيةِ بلا انقطاع. احتكارُ التجارةِ لا يَحلُّ المشاكل، لكنه يُؤَمِّنُ إطالةَ عُمرِ المدنيةِ بتطويرها مِن خلالِ نشرِ العديدِ مِن إنجازاتها المُطَوِّرةِ (بما فيها الأفكار والعقائد) في جميعِ الأصقاع. وإلا، فكانت ستقعُ في وضعِ هارابا، وربما كان التاريخُ سيشهدُ تَكراراً لعدةِ آلافٍ من السنين. رغمَ ذلك، ينبغي الإدراكَ أنّ الاحتكارَ التجاريَّ هو احتكارُ تكديسِ رأسِ المالِ الأكثر تعسفاً، وأنّ ممثليه السياسيين لا يتوانون عن الإقدامِ على أفظعِ الممارساتِ جُوراً، مثلما شاهدنا في مثالِ السُّور (إنشاء القلعة والسور من جماجم البشر). والأنكى أنّ الأمرَ الآخَرَ المعلومَ جيداً هو كَونُ الاحتكاراتِ التجاريةِ تَجني الأرباحَ بأقلِّ قدرٍ من الجهد، عن طريقِ استثمارِ فارقِ الأسعار، وفارقِ تَسليعِ البضائع.

لا نتحدث هنا عن بيعِ وشراءِ السلعِ الصغيرة أو المتاجَرَةِ بها بهدفِ الاستهلاكِ دون جنيِ الربح. بل ينبغي أنْ يُوضَعَ نصبَ العينِ دائماً أننا نتحدث عن التجارةِ الاحتكاريةِ الهادفةِ للربح. إذ يَرجحُ احتمالُ كَونِ انهيارِ هارابا كان بسببِ عجزِها عن الانفتاحِ على الخارج وعدمِ تطويرِها للتجارة. مِن المعلومِ أنّ السلالةَ المصريةَ الجديدةَ أيضاً (1600 – 1000 ق.م) قد خَمدَت بسببِ النزاعاتِ الداخليةِ والاعتداءاتِ الخارجية، نظراً لعجزها عن التحلي بمهارةِ الانفتاحِ على الخارج وتأسيسِ احتكارٍ تجاريٍّ ناجح. ولو أنها تَوَسَّعَت بقدرِ السومريين، لَربما كان عالَمُنا مغايراً. أما الصين، فلَم تَرَ داعياً للانفتاحِ خارجاً، ربما لأنها بذاتِها كانت متراميةَ الأطراف. واضحٌ جلياً أنّ الانفجارَ الأولَ للمدنيةِ المركزيةِ نَشَرَ القضايا المستفحلةَ التي أَسفَرَ عنها في أرجاءِ العالَم، بالغاً بذلك مستوى مختلفاً.

ثمة مفكرون يعتقدون بطغيانِ تَداخُلِ مدنيةِ الأناضول وميزوبوتاميا ومصر لأولِ مرةٍ في التاريخ فيما بين 1600 – 1200 ق.م، مُكتَسِبَةً بذلك طابعَ الهيمنةِ المركزية. ساطعٌ بجلاء أنها حَقَّقَت قفزةً بارزة، حتى وإنْ لَم تُسَمَّ بالعصرِ الذهبيِّ للتمدنِ والتجارةِ والأرستقراطية. مِن الواضحِ أنّ تعميمَ القضايا واستشراءَها يَدفَعُ إلى تبديلِ مكانِ الهيمنةِ المركزيةِ مِراراً لدعمِ إطالةِ عمرِ النظام. ومعاهدةُ قادش الشهيرة (1280 ق.م) تَعكِسُ هذه الحقيقةَ في ذاك العصر.

لَم تَخفّْ وطأةُ الأزمةِ التي عانتها المدنيةُ المركزيةُ في أعوامِ 1200 – 800 ق.م، إلا بَعدَ تَقَدُّمِ مكانةِ تقنيةِ الحديدِ على البرونز (3000 – 1000 ق.م). فالتَطَوُّراتُ في تِقَنِياتِ الإنتاجِ والحربِ تَخلُقُ معها فوارقَ عهودِها دائماً. لا ريب أنّ التطورَ الاجتماعيَّ هو المُعَيِّن، إلا أنه مرتبطٌ عن كثب بالتقنية. ولأولِ مرةٍ يَخرجُ مركزُ الهيمنةِ خارجَ ميزوبوتاميا. إنها الخطواتُ الأولى على دربِ الانتقالِ صوبَ الغرب، أي أوروبا. وسوف تَتَشَكَّلُ مرحلةُ الانتقالِ في هذا الانزلاق مِن الإمبراطوريةِ الميديةِ – البرسية بَرّاً (600 – 330 ق.م)، ومن الفينيقيين بَحراً (1200 – 330 ق.م). وسيَلعَبُ الأورارتيون أيضاً دوراً مشابهاً (850 – 600 ق.م). حتى وإنْ لَم يتم تَخَطي الأزمةِ الاجتماعيةِ كلياً، إلا أنها استمرّت أَخَفَّ حِدَّةً بانتشارِ تقنيةِ الحديد وتأمينِ سلامةِ الطرقِ التجارية. إنّ الحملاتِ التي قامَ بها كلٌّ مِن الإمبراطوريةِ (الهيمنة) الميديةِ – البرسية عَبرَ طُرُقِ التجارةِ البرية، والفينيقيين عبرَ تجارةِ البحرِ الأبيض المتوسط، تتميز بالأهمية. وقد عاشَ الإغريقُ مدةً طويلةً مِن الزمنِ كمستعمَرةٍ ومستوطَنةٍ في ظلِّ كِلتا المدنيتَين. أنّ التاريخَ (التاريخ الغربي المركز)  وعلى رأسها ديمقراطيةُ أثينا، دَعْ جانباً أنها حَلَّت قضايا المدنيةِ المركزية؛ بل وتشيرُ إلى أنها أثقَلَت مِن وطأتها أكثر. وإذا ما رَتَّبنا ذلك:

أنّ حُلولَ الحديدِ مَحَلَّ البرونز في تقنياتِ التسلح، سوف يؤدي إلى العديدِ من المستجداتِ الجديدة. فلأولِ مرةٍ ستتبدى الأهميةُ القصوى للبحث عن المعدنِ والمتاجَرَةِ به. هذا وثمة تَزايُدٌ كبيرٌ في بناءِ القلاعِِ والأسوار. فأولى الأمثلةِ الباهرةِ للقلاع هي مِن منتوجِ هذه الحقبة. هذا ودورُ التجارةِ أيضاً يَبلغُ قِمّتَه. بالتالي، فالتصاعدُ الكبيرُ لآشور وفينيقيا هو ثمرةٌ للاحتكاراتِ التجارية. وتَتَلَقّى المدنيةُ الضربةَ الكبرى بين أعوامِ 1500 – 1200 ق.م نتيجةَ اعتداءاتِ وغزواتِ القبائلِ المحارِبةِ للإسكيت والدوريين من الشمال وللآراميين من الجنوب. أما مرحلةُ ما بين 1200 – 800 ق.م، فهي بالأكثر عهدُ تراجعٍ وانحسار. القوةُ الوحيدةُ الصامدةُ هي الإمبراطوريةُ الآشورية.

عصر آشور هو أعتى قُوى التاريخِ القديمِ سياسياً وعسكرياً وتجارياً. وتؤدي دورَ الحلقة الوسيطة الواصلة بين المدنية السومرية والمدنية الإغريقية – الرومانية. ويتم استذكارها في المدنية بإراقةِ الدماء والطغيان والجور والإبداع التجاري، والاحتفاء بانهيارها كيومِ عيدٍ من قِبَلِ جميعِ شعوبِ الشرق الأوسط (بما في ذلك شعبها أيضاً). ولانتهاءِ الاستبدادِ والطغيان الأقرب إلى طرازِ نمرود وفرعون نصيبُه الوافر والمُحدِّد في تلك الاحتفالات.

العهدُ الأول (2000 – 1600 ق.م) هو عهدُ نماءِ الأرستقراطية التجارية. والضارب للنظر أنّ الزمرة التجاريةَ والسياسية تتجسد بكثافةٍ في نفسِ الشخصية كشكلٍ احتكاري. وبالمقدور القول أنّ احتكارَ القوةِ السياسية والتجارية قد تأسس لأولِ مرةٍ على يدِ المجتمعات الآشورية. كما يمكن التبيان – وبكلِّ سهولة – أنهم اعتمدوا على إرثٍ تاريخيٍّ واسع، واستخدموا الخبرةَ التجارية لكلٍّ من آل عُبَيد وأوروك وأور وبابل، واقتفوا أثرهم، وطوَّروا التجارة اعتباراً من أعوام 2000 ق.م في جميعِ المناطق الحضارية بالاشتراك مع جيرانهم من القرى النيوليتية والجماعات النازحة، وأسسوا المستوطناتِ التجاريةَ في المراكز المتقدمة الرئيسة. ولأولِ مرةٍ عملوا بما هو أَشبَه بالامتيازات الأجنبية المستقلة، وامتلكوا شبكاتٍ من القوافل المترامية الأطراف، فكانوا المدنيةَ الأرقى من حيث الوعي التجاري، ولَجَأوا إلى القوة التعسفية بلا هوادةٍ في سبيلِ ضمانِ جميعِ هذه العلاقات الاستراتيجية. وتزخر نينوى بالغنى والذهب والفضة، فكانت بذلك بمثابةِ أمستردامِ هولندا. وباتت مركزُ أفضلِ أنواعِ الأقمشة، وأشهرُ القصور والسرايا تجتمع في نينوى والمدن المجاورة لها. ومثلما الحال في المنافسة بين أمستردام وباريس، فإنّ بابل هي المنافس الند لنينوى (آشور). كلتاهما تبذلان جهوداً مريرةً للتأثير في الأخرى ومَدِّ هيمنتها عليها. كما لم تتناقص اشتباكاتهما وصداماتهما الاقتصادية والتجارية والسياسية والعسكرية بسببِ المصالح المتبادلة. ورغم تبدلِ التفوق المرحلي بينهما من حينٍ لآخر، إلا أنهما تعجزان عن إحرازِ التفوق النهائي.

النتيجةُ الأهم الممكن استخلاصها من الواقع العملي للمدنية الآشورية، هي تداخُل الاحتكارِ التجاري مع الاحتكار السياسي، واهتمامهما بالحروب. تُشَكِّل آشور المرحلةَ الأهمَّ للاحتكار السياسي والتجاري في التاريخ الحضاري. وبالمقدور القول أنّ الحلقةَ المركزية الأولى الواصلةَ بين المدنيات المصرية والصينية والهندية – قبل الإمبراطورية البرسية – هي الاحتكاراتُ التجارية الآشورية. لقد خلقوا عالَماً تجارياً بِحَدِّ ذاته. إنها شكلٌ من العولمة في ذاك العصر. ومرةً أخرى يتبدى للعيان أنّ الاحتكارَ التجاري ليس اقتصاداً، بل يُفرَض على الاقتصاد من الخارج بنسقٍ إرهابيٍّ يَندر وجودُ نظيرٍ له، لينهبَ ويسلبَ الثرواتِ التي جَمَعَتها وأوجدتها الشعوبُ والقبائلُ بِشَقِّ الأنفس وبالكدح المرير. ساطعٌ جلياً مدى استحالةِ ممارسةِ الاحتكار التجاري بدون الدولة. فبينما كانت الاحتكاراتُ السياسية السابقة برمتها متعلقةً بنمطِ الزراعة العبودي، اكتَسَبَت التجارةُ هنا، ولأولِ مرة، ثقلاً يُعادِل ما للزراعةِ منه. وإذا ما عرَّفنا الاحتكارَ التجاري على أنه الرأسمالية، فالاحتكار السياسي يحتل مكانه في المدنية كقوةٍ استعماريةٍ استغلاليةٍ أكثر تأثيراً في نهبِ وسلبِ فائضِ الإنتاج في الزراعة. الإمبراطوريةُ هي شكلُ الحكم الذي تشجعه التجارةُ أكثر من الزراعة. فضمانُ الطرق حاجةٌ ضروريةٌ لتجارةِ المناطق الشاسعة. وهذا ما لا يُؤَمِّنه إلا الإمبراطورية. أما لجوءُها إلى العنف المكثف، فمن الجلي بلا جدال أنه يتصاعد بالتداخل مع المقاومة التي يبديها المجتمعُ تجاه الإرغاماتِ الاقتصادية الجديدة المفروضة عليه.

من الساطع أنّ الزراعةَ، السوق، التجارةَ الصغيرة، الحِرَفة، وعدداً جماً من الشرائح الخاصة المستقلة هم ذوو فائدةٍ للاقتصاد. فكدحُ الإنسان في جميعِ هذه الميادين قد أثبتَ قيمتَه المُطوِّرة للإنتاجية والعطاء. وليس من العسير تشخيص عدمِ لزومِ أو جدوى الاحتكار السياسي أو العسكري أو التجاري – الاقتصادي بالنسبة له. فهل كان الاقتصاد سيركد لو لَم تَكُن آشور؟ بالعكس، من المفهوم أنّ الوسطَ الذي يستتب فيه السلامُ والأمن قادرٌ على خلقِ حياةٍ اقتصاديةٍ مغايرةٍ وأكثر إيجابية. والدولةُ باعتبارها الحكم المعادي للديمقراطية، ليست دون جدوى أو ضرورة وحسب، بل هي قوةٌ مخرِّبةٌ للاقتصاد والمجتمع من خلال البيروقراطية التي تنتجها، والحروبِ التي تشنها، وعملياتِ النهبِ والسلب التي تقوم بها. لا أناقش هنا أهميةَ وضرورةَ المدينة والتمايز الطبقي؛ بل أتحرى وأحقق في العلاقةِ بين المدنية والقوة الجبارة الطاغية المتلثمة بالأردية الأيديولوجيةِ الإلهية، والمتحصنة بجدارٍ عسكريٍّ وسياسيٍّ غليظٍ يَحُفُّ بها. أكررُ ثانيةً؛ حتى ولو كان للمدنيةِ جوانبُها الإيجابية على صعيدِ التمدن، فهي قد دُنِّسَت، وطغت عليها الجوانبُ السلبية بالعوائق الرجعية التعصبية التي تجرها للوراء. فتنسيقُ الإدارة أمر، واحتكاراتُ الطغيان والسلب أمرٌ آخر.

إنّ نقاشَ مساهماتِ مصر والهند والصين في النهر الأم للحضارة موضوعٌ يتطلب عملاً كبيراً محلُّه ليس هنا. ولكن، قد يَكُون من المفيد التحري والتحقيق الموجز في أسبابِ طغيانِ الزراعة عليها بالأرجح، ودوافع عجزها عن إبداءِ قدرتها وإرادتها لتخطي مناطقها. إني على قناعةٍ بأنها راقيةٌ للغاية في داخلها، وأنّ بقاءَها صامدةً متماسكةً ردحاً طويلاً من الزمن مَدِينٌ إلى عدمِ لجوئها إلى الاحتكار الاقتصادي، وبالأخص إلى الاحتكار التجاري للمناطق الشاسعة. فثلاثتها تكاد تغيب فيها التجارةُ الخارجية. ويبدو أنّ البنيةَ الداخلية للزراعة والتجارة لا تتيح الفرصةَ كثيراً للاحتكار. فبقدرِ ما يقف الاحتكارُ السياسي الموجود بعيداً عن الاحتكارِ الاقتصادي، يَكُون حينها ذا عمرٍ أطول. فالقوةُ السياسية والعسكرية تُواجِه اعتراضاً وردودَ فعلٍ أقلَّ عند قيامِها بعرقلةِ للمخاطرِ الخارجية والفوضى الداخلية، وبالتالي، عمرها يطول. جميعُها في نهايةِ المآل احتكاراتُ السمسرةِ والريع الاقتصادي، ولكنّ الأمر المفهومَ أيضاً هو كونها لم تَختَنق حتى حَلْقِها في الاحتكارات الاقتصادية.

أما تجارةُ المناطق الشاسعة، التي عَجِزَت مصرُ عن إنجازها، وتَرَكَتها خاليةً؛ فقد أنجزها القومُ المتموقعُ في شرقي البحر الأبيض المتوسط، والمسمى بالفينقيين. حيث يَعُود الفضلُ في نجاحِ تأسيسِ أولى المستوطنات التجارية المحيطة بجميعِ أطرافِ البحر الأبيض المتوسط إلى الفينيقيين. كما أنّ الفينيقيين هم أولُ مَن نشرَ وأشاعَ الثقافةَ الشرقَ أوسطية والمصرية في أوروبا. فضلاً عن أنّ فنونهم في الأبجدية وصناعةِ السفن مؤثرةٌ على الصعيد الحضاري. فهم مَن عَلَّمَ اليونانيين حروفََ الأبجدية. وهم أولُ مؤسِّسي الموانئ. ودورُهم بارزٌ وهام في نقلِ الثقافة المعنوية. إنهم أثرٌ مؤثرٌ في التاريخ الحضاري، بقدرِ الأورارتيين على الأقل.

نشاهد انتشارَ المدنِ والأسواق والتجارةِ شبه المستقلة بشكلٍ واسعِ النطاقِ في المدنيةِ الإغريقية – الرومانية. ولأولِ مرةٍ تُقَدِّمُ الإدارةُ الاستبدادية البابليةُ والآشوريةُ المتربعةُ على ميراثِ أوروك وأور، مساهماتٍ جديدةً للمدنية، بتمهيدها الطريقَ للوكالاتِ التجاريةِ على الصعيد الاقتصادي (إنه ضربٌ من ضروبِ تداخلِ مصطلحاتِ السوق – الوكالات التجارية – الربح). وبالأصل، فالمستوطناتُ التجاريةُ تَعُودُ في تاريخِها إلى أوروك، بل وحتى لِما قَبلَها. أما زيادةُ التبادل، وتَكَوُّنُ السوق، فيُهيِّئ لانطلاقةِ الدولةِ الآشورية كأولِ امبراطوريةٍ بهية. وما الإمبراطورياتُ في أساسها سوى ردٌّ على متطلباتِ الأمنِ والحماية للحياةِ الاقتصادية. فلِكَونِ التجارةِ تُشَكِّل العمودَ الفقريَّ للاقتصادِ في آشور، فإنّ التجارةَ ووكالاتها اقتضت تنظيماً سياسياً على نمطِ الإمبراطورية. يُقَيِّمُ التاريخُ الإمبراطوريةَ الآشوريةَ على أنها الإمبرطوريةُ الأكثرُ طغياناً والحكمُ الاستبداديُّ الأكثرُ جبروتاً، وأنها الرأسماليةُ بحالتِها كمسودةِ مشروعٍ أوليٍّ لِما نسميه اليوم بالاحتكارِ التجاري. إنّ الرأسماليةَ التجاريةَ الاحتكاريةَ الآشوريةَ قد جَلَبَت معها إدارةً إمبراطوريةً عليا هي الأكثرُ جُوراً وظلماً.

لقد نَجَحَت الفئةُ السياسيةُ للإمبراطوريةِ الإغريقية – الرومانية في إضافةِ ميراثِ المستوطناتِ التجاريةِ المدينية المتبقيةِ من الفينيقيين إلى ميراثِ الآشوريين، وتشكيلِ بنيةٍ سياسيةٍ عليا واقتصاديةٍ سفلى أكثر رقياً. لقد تَطَوَّرَ التبادلُ، وبدأ التنامي شبه المستقل للمدنِ والأسواقِ والتجارةِ والمنافسة، ولو بنطاقٍ محدود. إننا نتعرف على تمدنٍ مكافئٍ للأرياف، التي غدت تنتج فائضَ الإنتاجِ للمدن بهدفِ التبادل. وتطورَت تجارةُ النسيجِ والأغذية والمعادن. ونخص بالذكر شبكةَ الطرقِ الواسعةِ المنسوجةِ من الصين إلى المحيط الأطلسي. وتتحول الفئةُ السياسيةُ في إيران إلى إمبراطوريةٍ تجاريةٍ راسخةٍ بسببِ التجارةِ ما بين الشرقِ والغرب، وتتنامى لدرجةٍ تُخَوِّلها لتضييقِ الخناقِ على الإغريقِ وروما، وبسطِ نفوذِها عليهم. وتُشَكِّل سداً أساسياً أمام الفئاتِ السياسيةِ والأقوامِ القاطنةِ في الصين والهند وآسيا الوسطى وحركاتِها الاستيلائيةِ وغزواتِها صوبَ الغرب، مثلما ستستمر في نفس وظيفتها كَسَدٍّ أوليٍّ أمامَ استيلاءِ الغربِ على الشرق أيضاً. ولم يتمكن الإسكندر ومَن جاءَ بعدَه مِن هدمِ هذا السدِّ المعيق وفتحِ أغطيةِ فوهاتِه، إلا لفترةٍ زمنيةٍ وجيزة (330 – 250 ق.م).

تُمَثِّلُ المدنيةُ الإغريقيةُ – الرومانية المكانَ الذي نعثر فيه على أُولى أمثلةِ الاقتصادِ الرأسماليِّ بكثرة. فدرجةُ استقلالية خصوصياتِ المدن، وتحديدُ قِيَمِ السلع والتبادلِ في الأسواق، وتواجدُ التجارِ الكبار فيها؛ إنما يشير إلى دُنُوِّها من عتبةِ الرأسمالية. إلا أنّ قوةَ المناطقِ الريفية تجاه المدنِ مِن جهة، وشكلَ تنظيمِ الإمبراطوريةِ (المعتمدِ على اقتصادِ الريفِ أساساً) مِن جهةٍ أخرى؛ يُعيق تَحَوُّلَ الرأسماليين إلى نظامٍ اجتماعيٍّ سائد. ولذلك، يبقى الرأسماليون في مستوى التجارِ الكبار كحدٍّ أقصى، ويظل تَدَخُّلُهم في الإنتاجِ والصناعةِ محدوداً للغاية. علاوةً على أنهم وجهاً لوجهٍ أمامَ العراقيلِ المتواصلة للفئات السياسية. أضفْ إلى ذلك ظاهرةَ العبودية المرتبطة بالسيد، والتي لا تزال محافظةً على وضعها الراسخ. وفرصة الأيدي العاملة في الحياةِ الحرة شحيحةٌ لدرجةٍ تكاد تَكُون معدومة. والنساءُ تُباع وتُشترى كجواري، مثلما يُباع الرجال بكلِّ أجسادهم كعبيد. لا جدالَ في كونِ العنف هو القوةُ الوحيدةُ المحدِّدةُ لاقتصادِ الرقيق. فوجودُ الرقيقِ كقيمةٍ اقتصاديةٍ كافٍ بِحَدِّ ذاتِه للإشارةِ – بكل شفافيةٍ وجزم – إلى العلاقةِ بين العنف والاقتصاد (الاقتصاد المعتمد على نهبِ الإنتاج الزائد). وفي نظامِ العصورِ الأولى في الصين والهند، بدءاً من تأسيسِ الكاست السياسيِّ والعسكريِّ إلى مرحلةِ الاستعمارِ الرأسمالي، كان يُنظَر إلى المجتمعِ السفليِّ بأجمعه على أنه ضربٌ من ضروبِ القطاع الاقتصادي، فيتم تشغيله، واعتبارُ إدارتِه بموجبِ ذلك مَهَمَّةً أساسيةً وحقاً إدارياً طبيعياً، أو بالأصح، حقاً إلهياً.

التفاعلاتُ المتسلسلةُ تلك، والتي أوجزناها باختصار إلى حين العصر الإغريقي – الروماني، إنما هي مرحلةٌ حرجةٌ ومتأزمة. فانهيارُ أو ضعفُ الزراعة والتجارة في بعضِ المناطق لأسبابٍ مختلفة، يَجعل الأزماتِ قائمةً دوماً. ومن أهم الأسباب الرئيسية للأزمة: المناخ، الإفراطُ في الإنتاج، النزاعاتُ والصراعاتُ الداخلية والخارجية، الهجراتُ الداخلية والخارجية، أنماطُ الإنتاج المعطاء، النظامُ (الفلسفة) والتنظيماتُ الأكثر رقياً على الصعيد التحليلي في المواضيع والمسائل العسكرية والسياسية والأيديولوجية. فالشرائحُ التي لا ترغب في الزوالِ من الزمر الاحتكارية، بل وتَفرض زيادةَ نصيبها منها؛ تستخدم الصراعات والحروب كوسائلَ إنتاجية. الأمرُ كذلك لأنهم الاحتكارُ المؤسَّسُ على دعامةِ الاقتصاد. ونخص بالذكر الدولَ والمدنياتِ المرتكزةَ إلى الأسسِ التجارية بنسبةٍ أكبر، والتي تَفتح الطريقَ أمامَ الحروب أكثر بسببِ تكرارِ الأزمات الاقتصادية مراراً. في حين أنّ الدولَ والمدنياتِ التي تسيطر عليها الاحتكاراتُ الزراعية ذات المناخِ المساعِد والمرويةُ بانتظام، تَكُون أكثر استقراراً ويستتب فيها الأمنُ والسلام، بسببِ عدم معاناتها الأزمات كثيراً. وإذا ما أمعنا النظر للأمر انطلاقاً من هذا المنظور، سوف نَعِي على نحوٍ أفضل أسبابَ ندرةِ خوضِ الحروب في كلٍّ من مصر، الهند، والصين، عدا بضعةِ تمرداتٍ وانتفاضاتٍ للعبيد أو في بعضِ المدن والمناطق. بينما المدنياتُ ذات الأصول الميزوبوتامية عموماً توسعيةٌ ومحاربَةُ باستمرار، وهذا أمرٌ مفهوم، نظراً لتبعيتها المفرطة للتجارة. فعيشُ مدنياتِ آل عُبَيد، أوروك، أور، بابل، آشور، وبرس في أوساطٍ يسودها الاستيطانُ والتوسع والحروب الدائمة، على علاقةٍ وثيقةٍ بدورِ التجارة الذي لا غنى عنه في مرحلةِ الإنتاج.

كما أنّ كون المدنية الإغريقية – الرومانية في حالةٍ دائمةٍ من الحروب والأسفار البرية والبحرية، سواءً في عهد أثينا، أو بزعامةِ روما؛ على عُرىً وطيدةٍ بوزنِ وثقلِ التجارة في عالَمِ البحر الأبيض المتوسط، كشرطٍ ضروريٍّ لا ملاذَ منه. لقد باتت ميزوبوتاميا مهدَ الزراعة والتجارة منذ مرحلةِ تشييدِ المدنية. وتطغى الأسبابُ عينُها بالأغلب على خوضِ البرسيين في الشرق والإغريق والرومان في الغرب “حروبَ الألف عام” عن طريقِ ميزوبوتاميا منذ أعوام 600 ق.م، سواءً لتشبثهم بالمناطق الإنتاجية والتجارية الأولية التابعة لهم، أو لارتباطهم بالتجارة والزراعة في ميزوبوتاميا.

وبعدما شهدَ التاريخُ فترةً طويلةً من أكثرِ مراحله نضوجاً مع المدنية الإغريقية – الرومانية، دخل مرحلةَ أزمةٍ غائرة. فالإنتاجُ المعتمد على الزراعة في الريف والحِرَف في المدينة يفسح الطريقَ لفائضٍ إنتاجيٍّ هام. ووفرةُ فائضِ الإنتاج تُشَكِّل أرضيةَ تنظيمٍ من نوعِ الدولة. كما أنّ فائضَ الإنتاج مرتبطٌ في جوهره بالكدح المحتَرف الماهر والمبذول مقابل إشباعِ البطن. وتقديمُ واستخدامُ الكدحِ من الطراز العبودي، يُشَكِّل النوعَ الرئيسي. فاستناداً إلى هذا النوع يتأسس احتكارُ الدولة المؤلَّف من الثالوثِ الأيديولوجي والسياسي والعسكري. هذا النظامُ المتصاعد بالتداخل مع التمدن، يُطَوِّر من تقسيمِ العمل بالتزامن مع ظهورِ الحِرَف اليدوية، ليُؤَمِّنَ تكوينَ سلسلةِ التبضع – السوق – المال. وفي هذه الحلقة يَدخل الاحتكارُ التجاري حيزَ العمل، ليتيحَ الفرصةَ للاستيلاء على قسمٍ من الإنتاج الزائد. ومن حيث المضمون، يتولد احتكاران يتنافسان، ومن ثَم يتصارعان شيئاً فشيئاً، للاستيلاء على زائدِ الإنتاج المتكون من الزراعة والحِرَف، سواءً داخلَ الدولة أو فيما بين الدول. ورغم صعوبةِ التمييز الحاسم فيما بينهما، إلا أنّ مصطلحَ الاحتكارَين يُشَكِّل مربضَ الفرسِ من حيث تحليلِ العديدِ من العلاقات والصِّدَامات السياسية والعسكرية.

 

يتبع…..

التعليقات متوقفه