عبدالله اوجلان حول الاقتصاد -16

1

الفصل السادس

الاقتصاد في الحداثة الديمقراطية

 

أ- المجتمع الاقتصادي- الديمقراطي ضد الرأسمالية.

الزمانُ والمكانُ الذي عاشَ فيهما كارل ماركس كانا مَشرُوطَين بالسجالاتِ والتياراتِ الأيديولوجيةِ والسياسيةِ الكثيفةِ الدائرةِ بشأنِ اتحادِ ألمانيا وتشييدِ دولتِها القومية. حيث تَرجحُ مساعي إضفاءِ المعاني على الظواهرِ ضمن الإطارِ الأيديولوجيِّ والسياسيِّ والقانونيّ. ويَعمَلُ كارل ماركس أساساً على تأثيرِ هذه الأجواءِ بالأولويةِ الاقتصادية. ويَجهَدُ لبناءِ سردِه على أساسِ الاقتصادِ كتصنيفٍ مُعَيِّن. إنه المسؤولُ الرئيسيُّ في تصييرِ الرأسماليةِ عِلماً. وفي هذا السياق، فهو يُصَنِّفُ أصحابَ رأسِ المالِ كبورجوازيين، والكادحين المأجورين كبروليتاريا، والمجتمعَ كمجتمعٍ رأسماليٍّ يَسُودُه التبضيعُ الرأسماليّ؛ مُعتَبِراً ذلك لَبَناتٍ أساسيةً في هذا العلم، ومُعتَقِداً أنه بقيامِه بذلك يَضربُ ثلاثةِ عصافير بِحَجَرٍ واحد. كما وكان إيمانُه وطيداً بنجاحِه في تأليفِ جَمِيعةِ “الاشتراكيةِ العِلمية”، بانتهالِ الاقتصادِ من الاقتصادِ السياسيِّ الإنكليزيّ، والوضعيةِ من علمِ الاجتماعِ الفرنسيّ، ومصطلحِ الدياليكتيكِ من الفلسفةِ الألمانية، ثم توحيدِهم معاً. حيث أُنجِزَت الثورةُ في كلِّ علمٍ آنذاك. فكان واثقاً من أنه أَنجَزَ مع أنجلز الثورةَ العلميةَ للمجتمع. لذا، فهما يُعَدّان كداروين Darwin في حقلِ علمِ الاجتماع.

يتولدُ الفكرُ الماركسيُّ كأهمِّ جناحٍ لعلمِ الاجتماعِ الأوروبيّ. ولدى الإمعانِ فيه من جهةِ النظامِ المُهيمن، فلن يَكونَ عصيباً الإدراكُ أنّ هذا العلمَ نَبَعَ من حاجةِ احتكاريةِ رأسِ المالِ المتنامةِ لِتَوِّها تاركةً بصماتِها على النظام، وأنه قدَّمَ مساهماتِه بما يُعادِلُ، بل وربما يُضارِعُ عنفَ السلطةِ في عَلمَنَةِ وشَرعَنَةِ رأسِ المال. ومهما عَيَّبا رأسَ المالِ وشَهَّرا بسلبياتِه، إلا أنهما أَلقَيا الخطوةَ التاريخيةَ اللازمةَ لأجلِ شرعيتِه، بِتَقديمِهما الرأسماليةَ عِلماً. واضحٌ بما لا شائبةَ فيه أنّه، ورغمَ كلِّ تَمَرُّدِهما، إلا أنه لَم يستطعْ كارل ماركس وفريدريك أنجلز الخلاص من الوقوعِ في وضعٍ يَكُونان فيه من المسؤولين الأوائل عن هذه الخطوةِ التاريخية، بإعلانِهما رأسَ المالِ رأسماليةً، واحتكاريةَ رأسِ المالِ – الربحِ بورجوازيةً، والمجتمعَ الاقتصاديَّ مجتمعاً رأسمالياً. علينا ألا ننسى البتةَ أنّه غالباً ما استُثمِرَت النوايا الحسنةُ تاريخياً لإعطاءِ نتائج معاكسة.

معلومٌ أنّ كارل ماركس وفريدريك أنجلز استفادا بالأكثر من الفلسفةِ الدياليكتيكيةِ التي بَلَغَ بها هيغل إلى ذروتِها، لدى شروعِهما في هذا العمل. وأنا على قناعةٍ أنهما ارتَكَبا الخطأَ الأوليَّ لدى تَكييفِهما الفلسفةَ الدياليكتيكية. وقد ارتَكَبوه أثناء تطويرِهما بعضَ الثُلاثياتِ الهامةِ للأطروحةِ – الأطروحةِ المضادةِ – الجَميعة، وعلى رأسِها ثالوثُ رأسِ المالِ – الكدحِ المأجور – الربحِ وثالوثُ البورجوازيةِ – الطبقةِ العاملةِ – المجتمعِ الرأسماليّ. لذا، لا أَعتَقِدُ بأنّ الماركسيين (والكثيرين من مُتَّبِعي هذا الأسلوب) استوعبوا تماماً كينونةَ الأطروحةِ – الأطروحةِ المضادةِ الدياليكتيكيةِ لهيغل. فكينونةُ الأطروحةِ – الأطروحةِ المضادةِ الدياليكتيكية، والتي تُعَدُّ القضيةَ الفلسفيةَ الأساسيةَ التي لا تَنفكُّ تحافظُ على أهميتِها وتنتظرُ التطويرَ لها، إنما تُعَبِّرُ عن معنى، وبالتالي حقيقةِ تداخُلِ الكونيِّ – الواحديّ. وهي تَوَدُّ ضمنياً الإشارةَ إلى التالي: لكلِّ موجودٍ مُضادُّه أيضاً في جوهرِه. إذ لا يُمكِنُ للمضامينِ الوجوديةِ أنْ تَخلوَ من التضادّ. فاللاتضادُّ يعني العدمَ التامّ. والعدمُ التامُّ يعني اللاوجود. وبما أنه لا وجودَ للاّوجود، فيستحيلُ أنْ يَكُونَ هناك عدمٌ تامّ. إذن، والحالُ هذه، لا وجودَ للموجوداتِ بلا تضادّ، تماماً مثلما يستحيلُ الدفعُ بلا جذب. وتَكمنُ المشكلةُ بالأغلب في الاستيعابِ الصحيحِ لماهيةِ التضادّ. فالدياليكتيكيُّ الناجحُ هو الذي يُحَدِّدُ التضادَّ بمنوالٍ صحيح.

يجب تبيانَ الخاصيةِ التاليةِ بأهميةٍ بالغة: قد تَظهَرُ آلافُ الأطروحاتِ المضادةِ من وجودٍ ما. وأهمُّ وظيفةٍ تقتضي القيامَ بها بالنسبةِ لدياليكتيكيٍّ ما، هي التشخيصُ السليمُ للأطروحةِ المضادةِ التي أَثَّرَت أولاً في الأخرى فَكَوَّنَتها من بين هذا التنوعِ الجمّ. وعندما أرادَ كارل ماركس وفريدريك أنجلز إجلاسَ هيغل على قَدَمَيه كمَعنِيَّين بالدياليكتيك، فقد ارتَكَبا خطأً فظّاً لدرجةٍ لَم يَتَمَكَّنا فيها من الانتباهِ إلى أنهما قَطَعا رأسَه. إني مُضطرٌّ لتبيانِ أنّ دياليكتيكَ هيغل لا يزالُ سرداً في القمة، رغمَ كلِّ الأقوالِ والعباراتِ المصاغَةِ ضدّه منذ مائتَي عام. لا ريب أنّ ثلاثياتِ كارل ماركس وفريدريك أنجلز تَتحلى بجانبٍ دياليكتيكيّ. لكنها بعيدةٌ عن احتواءِ سردٍ بقيمةِ الثلاثيةِ الدياليكتيكيةِ الصحيحة.

أهمُّ خطأٍ متعلقٍ بتحديدِ المضمونِ والجوهرِ بالنسبةِ لموضوعنا، قد ارتُكِبَ في تضادِّ البورجوازيةِ – البروليتاريا. ما من شكٍّ في وجودِ تضادٍّ بين البورجوازيةِ والبروليتاريا. لكنّ هذا التضادَّ لَم يَنشَأْ ولا يَسري كما اعتَقَدا. أي أنّ التناقضَ والتضادَّ الذي أَفضَت إليه الرأسماليةُ في وَريدِ المجتمعِ ووجودِه، ليس تناقضَ الرأسماليِّ – البروليتاريا. وحتى لو تواجَدَ هكذا تناقض، إلا أنه ليس بالتناقضِ الأصل. والأهمُّ من ذلك أنّ الرأسماليةَ ليست بالقدرةِ التي تُخَوِّلُها لِرَسمَلَةِ الوريدِ الاجتماعيِّ بمفردِها كما يُعتَقَد. إذ لا قوة للرأسماليِّ لوحدِه. علاوةً على أنّ أيَّ مجتمعٍ ليس كياناً يُبَدِّلُ نوعيتَه بصفاتٍ من قبيلِ الرأسماليِّ أو الإسلاميِّ أو المسيحيِّ في أيِّ وقتٍ من الأوقات. بل يَصُونُ المجتمعُ وجودَه كطبيعةٍ ثانيةٍ من حيث الجوهر. أما تأثيرُ بعضِ الصفاتِ في مختلفِ مراحلِ التاريخِ على شكلِ واحدياتٍ انفرادية، فلا يُبَرهِنُ على أنّ ذاك المجتمعَ باتَ واحدياً خالِصاً بتلك الواحديات؛ تماماً مثلما يستحيلُ أنْ تُكَوِّنَ خُزامى  سوداءُ واحدةٌ مجتمعَ الخُزامى.

الرأسماليةُ كمُؤَثِّرٍ لا تُكَوِّنُ البروليتاريَّ فحسب من أحشاءِ الوجودِ الاجتماعيّ، بل تَجذبُ النمطَ البروليتاريَّ من الوجودِ الاجتماعيّ. لكنّها حتى في هذا الجذبِ غالباً ما تَكُونُ في حالةِ تحالُفٍ مع البروليتاريِّ المُنجَذِبِ في وجهِ المجتمع. هذا هو الحَدَثُ أو الظاهرةُ التي سَمّاها الماركسيون بالتحالفِ المؤقتِ بين البروليتاريا والبورجوازيةِ تجاه المجتمعِ الإقطاعيّ. لكنّ هذا سردٌ يُشَكِّلُ أرضيةَ أخطائِهم. فالرأسماليةُ أصلاً تُعِدُّ وتُكَوِّنُ من بين صفوفِ المجتمعِ عَميلَها تحت اسمِ البروليتاريا، مقابلَ تنازُلٍ يُسمى بالأَجر. ما هو قائمٌ تجاه المجتمعِ القديمِ ليس تحالُفاً، بل خيانة. بَيْدَ أنّ ما يجري هنا تجاه طبيعةِ الكونِ ذاتِ الذكاءِ المَرِنِ والمُطاوِعِ الخارقِ على الإطلاقِ كالمجتمع، هو استغلالٌ واستثمارٌ مُطابِقٌ تماماً لاستثمارِ امرأةٍ ما من قِبَلِ سيدِها. إنها تُبِيدُ وتَستَنفِذُ القِيَمَ من المجتمعِ بأكملِه وجودياً بشكلٍ ممَنهَجٍ ودائمٍ تحت اسمِ الربح، وبالاستفادةِ من إرثِ الأسيادِ (الأرباب، الملوك، الطغاة) الممتدِّ لآلافِ السنين. لا تُستَثمَرُ القيمةُ كربحٍ فقط، بل وتُستَغَلُّ كافةُ قِيَمِ الثقافةِ الماديةِ والمعنويةِ لذاك المجتمع. وفي هذه الحال، فالرأسماليةُ هي النسيجُ الاحتكاريُّ بذاتِه، الذي يَستَغِلُّ المجتمعَ بمواجهتِه ومحاربتِه على الأكثر وبمنوالٍ ممنهجٍ ودائم. وبهذا المعنى، فهي معنيةٌ بالمجتمعِ ومُؤَثِّرةٌ فيه. لكنها تَخلقُ هذا التأثيرَ وتُحَقِّقُ هذا الاستغلالَ بتَشييدِ نظامِها المسيطر، وصهرِ التُّجّارِ والماليين وأصحابِ السلطةِ القُدَماءِ في بوتقتِها بزَعامتِها هي، وتصييرِ العُمّالِ والحِرَفِيّين وصِغارِالكَسَبةِ قوةً احتياطيةً لها، وبإنشاءِ الهيمنةِ الأيديولوجيةِ من المُثَقّفين والمُفَكّرين. وإذ ما أَرَدنا صياغةَ تعبيرٍ علميٍّ عن وجوديةِ المجتمع، فإدراكُ كونِ النسيجِ المُسمّى بـ”المجتمعِ الرأسماليِّ” تَطَوَّرَ بهذا الجوهرِ وهذه الأشكال، إنما هو من ضروراتِ التشخيصِ الصائب. أما عدمُ رؤيةِ هذه البُنيةِ الطبائعيةِ للسياق، وعدمُ فهمِ ماهيةِ آليتِه هذه؛ فإنّ مزاولةَ “العلموية” باسمِ المجتمعِ لن تتعدى كونَها وضعيةً Pozitivizm فظة.

الشروعُ في الموضوعانياتِ الشيئانيةِ الوضعيةِ الفظةِ دون تحديدٍ صحيحٍ لآليةِ عملِ الرأسماليةِ فوق المجتمع، يعني الوقوعَ في خطأٍ فادحٍ تجاه العلمِ باسمِ العلم، وتجاه المجتمعِ باسمِ علم الاجتماع. وعندما يَكُونُ المجتمعُ المذكورُ موضوعَ الحديث، فيَبدو أنّ الجزمَ بمدى فظاعةِ نتائجِه المتمخضةِ يقتضي التركيزَ والتفكيرَ أكثر. يَتَّضِحُ جلياً من هذا التحليلِ الموجَزِ في هذا المضمارِ أنّ التناقضَ المعنيَّ بالرأسماليةِ ليس ذاك التناقضَ الناشئَ على مستوى جدِّ ثانويٍّ بين الراسماليِّ – البروليتاريّ، إنما هو تناقضٌ يَشتَمِلُ بين ثناياه على ذلك أيضاً، وقد نَشَأَ بين الرأسماليةِ – المجتمع وبين الرأسماليين – المجتمعيين. وروزا لوكسمبورغ، التي تُعتَبَرُ من الماركسيين الأذكياء، قد رَمَت في حقيقةِ الأمرِ إلى شرحِ هذا السياقِ النسيجيّ، عندما انتَقَدَت كارل ماركس من نقطةٍ أساسيةٍ بقولِها: “يستحيلُ تَحَقُّق المجتمعِ الرأسماليِّ المحض”. ولَئِنْ كنا نَوَدُّ الحديثَ عن الاشتراكيةِ العلميةِ دُونَ بُدّ (تسمية علم الاجتماع ستَكونُ أصحّ)، فالمَهَمَّةُ الأوليةُ التي تنتظرُنا هي إدراكُ متطلباتِ الإصلاحِ العلميِّ والثورةِ العلميةِ الراديكاليةِ تأسيساً على ذلك.

بالإمكان الحديث بالمعنى الضيقِ عن تناقضِ الرأسماليةِ – المجتمعِ الاقتصاديّ. وإذ ما تمّ تناوُله بِحَذَر، فقد يؤدي إلى بعضِ النتائجِ الهامةِ والصحيحةِ دون الوقوعِ في أخطاءٍ جدية. كنتُ في الفصولِ السابقةِ قد أَشَرتُ بأهميةٍ إلى أنّ فرناند بروديل طابَقَ بين الاقتصادِ والسوق، فقالَ بأنّ رأسَ المالِ يحققُ الربحَ عن طريقِ هذه السوقِ بالاستفادةِ من فارقِ الأسعارِ في التجارةِ ضمن المسافاتِ الطويلة، وبالتالي تَحَدَّثَ عن وضعِ الرأسماليةِ المضادِّ للسوق. وكنتُ شَدَّدتُ على أنّ هذا السردَ ناقص، وأنّ الرأسماليةَ بجوهرِها ليست مضادةً للسوقِ فقط (ما دامَت السوقُ تُساوى مع الاقتصاد)، وأنه ينبغي إتمامَه بتقييمٍ مفادُه أنها مضادةٌ للاقتصادِ أيضاً. هذا وبالمقدورِ تعريف تضادِّ هيمنةِ النظامِ الرأسماليِّ مع المجتمعيةِ من خلالِ الحروبِ الاستعماريةِ والإمبرياليةِ التي تؤدي إليها، وفاشيةِ الدولةِ القوميةِ التي تُنتِجُها، ودمارِ البيئةِ الذي تُفضي إليه على خلفيةِ الصناعوية، وبُنيتِها المتأزمةِ على الدوام، وتجذيرِها الأقطابِ والأطرافِ الاجتماعيةِ المتطرفةِ بما لا يَحتَمِلُ الإنكارَ أو التفنيد. إذ من الساطعِ أنّ ما هو مضادٌّ للمجتمعِ سيَكُونُ مضاداً للاقتصادِ أيضاً بما يَزيدُ عن الحد. فالرأسماليةُ تُحَقِّقُ “قانونَ الربحِ الأعظميِّ” في ميدانِ المجتمعِ الاقتصاديّ. وتضادُّ الرأسماليةِ كنظامٍ مع الاقتصادِ قد أُثبِتَت صحتُها في كلِّ الميادينِ عبر تجاربِها على طولِ تاريخِها. ولَئِنْ أُضفِيَت المعاني على الرأسماليةِ بصفتِها نسيجاً تاريخياً عن طريقِ المجتمعِ والمجتمعِ الاقتصاديِّ باعتبارِهما تراكُمَ الثقافةِ الماديةِ والمعنوية، وليس عن طريقِ عبدِها البروليتاريِّ بشكلِ تناقضٍ ثانويّ؛ ففي الحقيقة، لن يُكتَبَ تاريخُ “رأس المال” فحسب، بل وسيَكُونُ ممكناً تدوينُ “تاريخِ الرأسماليةِ” أيضاً بمنوالٍ صحيح.

النقطةُ التي عَجِزَت عن فَهمِها الحركاتُ الأيديولوجيةُ والسياسيةُ التي تَنسجُ قُماشَ الحريةِ من العَبدِ – بما فيه البروليتاريّ – هي أنّ احتكاراتِ القوةِ والاستعمارِ صَيّرَت العبدَ كينونةً أو وجوداً مُلحَقاً بها وامتداداً لها. وهي عندما تُصَيِّرُ العبدَ كينونةً أو وجوداً، فهي تَقُومُ بحياكتِه بوصفِه نسيجَها الاجتماعيّ، ولا تُرفِقُه بنسيجِها الاحتكاريِّ كعنصرٍ قادرٍ على نخرِها وقَضمِها. وبهذا المعنى، ما مِن طبقةِ عبيدٍ منتصرةٍ في التاريخ. فحتى لو كان انتصرَ سبارتاكوس، لَما كان سيَذهبُ أبعدَ من تأسيسِ سلالةٍ عبوديةٍ جديدةٍ من أجلِ روما. بل وحتى مناهِضٌ عتيدٌ للرأسمالية مثل لينين، اضطرَّ لتطبيقِ الرأسماليةِ وهو على قيدِ الحياةِ من خلالِ السياسةِ الاقتصاديةِ الجديدة NEP. الواقعُ الآخَرُ الذي أُثبِتَت صحتُه في الأزمةِ الراهنةِ هي عدمُ تَردُّدِ المجموعاتِ المسماةِ بالطبقةِ العاملةِ عن بذلِ جهودٍ طوعيةٍ (بما فيها تخفيض أجورِهم) في سبيلِ إحياءِ وإنعاشِ الصناعةِ الرأسمالية (بما في ذلك أشكال الرأسماليةِ الأخرى أيضاً). أما الخاسرُ عموماً، فهو كافةُ القِيَمِ الاجتماعيةِ بِمَعِيّةِ المجتمعِ الاقتصاديّ. والفرديةُ الرأسماليةُ تُؤَيِّدُ مصداقيةَ هذه الحقيقةِ أكثر. ففي كافةِ الحقولِ الاجتماعيةِ المتحولةِ إلى حشدٍ غفيرٍ من الأفرادِ بناءً على مناهَضةِ المجتمعية، يُعاشُ وضعٌ خارجٌ عن كينونةِ المجتمع، فيما خَلا حفنةٍ من المجموعةِ الأوليغارشيةِ الاحتكاريةِ في أعلى الأقاصي. بينما الغالبيةُ الساحقةُ الأخرى تُرِكَت حشداً من العاطلين عن العمل، والمحرومين حتى من بيعِ أنفسِهم كعبيدٍ مأجورين. أما العبيدُ المأجورون، فلن يتخلصوا حتى من معاناةِ انخفاضِ الأجورِ نسبياً. جليٌّ بسطوع أنّ اللوحةَ الحقيقيةَ قد تشكَّلَت بهذا المنوال.

لا يُمكِنُ التغاضي أو إهمال دورِ الحركاتِ الطبقيةِ الضيقةِ في هذا التطورِ الحاصل. فحركتا الاشتراكيةِ المشيدةِ والنقابيةِ تَمتَلِكان ممارساتٍ عمليةً مُبَرهَنةً في هذا الشأن. وباختصار، فإعادةُ النظرِ في تقييمِنا بصددِ العبد، ورؤيتُه عنصراً ثانوياً ضمن تناقضِ المجتمعِ العامّ، وليس عنصراً أساسياً للتناقض؛ إنما سيؤدي بنا إلى نتائج أكثر صواباً. أي أنّ دياليكتيكَ العبدِ مَهَمَّةٌ مجتمعيةٌ أوليةٌ على الإطلاق، تنتظرُ التقييمَ مُجَدَّداً. أما الدياليكتيكُ الاجتماعيّ، فبمثابةِ العلمِ الأساسيِّ من أجلِ الحقيقةِ الاجتماعية. إلا أنه في مسيسِ الحاجةِ إلى التحليلاتِ الكفوءةِ أولاً، مثلما أنّ التطبيقَ السليمَ له يحافظُ على أهميتِه تماماً.

ومثلما هي عموماً (كونياً)، فالرأسماليةُ ضمن خصوصياتِها (واحديتِها) أيضاً تَسلكُ مساراً تدميرياً أكثرَ تطرُّفاً في المجتمعِ الشرقِ أوسطيّ. ومبادرتُها في غزوِ المنطقةِ كنظام، إنما تتبدى في مناهضتِها للمجتمعِ والاقتصادِ في هيئةِ استعمارِ المراكزِ الأساسيةِ والمتروبولاتِ والبلدان. فهي مُرغَمةٌ على إنشاءِ ذاتِها والسيرِ بنحوٍ مخططٍ ومدروسٍ أكثر بكثير، نظراً لنقلِ مدنيةِ الهيمنةِ من الشرقِ الأوسطِ منذ الحروبِ الصليبية. إنها منساقةٌ وراءَ الأرباحِ الاحتكاريةِ المُفرطة. لذا، فهي تتوجهُ صوبَ المواردِ التي تَرفعُ الربحِ إلى أقصاه، وتُرَكِّزُ على الأصولِ والأساليب، وليس على حاجاتِ المجتمعِ الأولية. إنّ الحديثَ عن قومويةِ الرأسمالية، وليس عن الرأسماليةِ القوميةِ وغيرِ القومية، سيَكُونُ تعليمياً ومفيداً أكثر. إذ ينبغي الإدراكَ بعمقٍ غائرٍ أنّ الظاهرةَ المسماةَ بالرأسماليةِ القوميةِ هي في مضمونِها الاغترابُ الجماعيُّ الأكثر كثافة. فالرأسماليةُ بذاتِها كنسيج، تعني الاغتراب. وتَعمَلُ على عكسِ ذاتِها مجتمعاً وطنياً أو قومياً بأيديولوجيتِها القوموية. فمصطلحا الوطنياتيةِ والقومويةِ وسيلتان أيديولوجيتان ابتُكِرَتا بُغيةَ تقنيعِ وتمويهِ وبسطِ هيمنةِ الاحتكاريةِ عموماً والاحتكارِ الرأسماليِّ على وجهِ الخصوص.

الشرقُ الأوسطُ ليس غريباً عن كافةِ القوى الاحتكاريةِ والاحتكاراتِ الاستغلالية، بما فيها احتكاراتُ رأسِ المال، نظراً لِكَونِه مكانَ المدنيةِ المركزيةِ طيلةَ خمسةِ آلافِ عام. ولكن، لَم تَمَهَّدْ الأرضيةُ لتصبحَ رئيسيةً فيه، كما لَم تَجِدْ فرصةَ ذلك. لا معنى كثيراً للتفكيرِ بالرأسماليةِ الأوروبيةِ على أنها تجديدٌ بالنسبةِ للشرقِ الأوسط. الجديدُ هو مبادرتُها كنظامِ غزوٍ رئيسيّ. وبينما مَرَّت مائةٌ وخمسون سنة من مسارِ هذه المبادرةِ المستمرةِ منذ قُرابة مائتَي عامٍ على أساسِ الرأسماليةِ التجاريةِ والمالية، فقد تسارعت الصناعويةُ في الفترةِ الأخيرةِ منها. وحاكميتُها أكثرُ سطحيةً مقارنةً مع المجتمعاتِ الغربية. هذا وتستمرُّ بهيمنتِها ضمن تحالُفٍ مع القوى التقليديةِ والاحتكاراتِ الاستغلالية. ما يَسُودُ الشرقَ الأوسطَ هو نظامُ الهيمنةِ الرأسماليةِ المتمحورةِ حول أوروبا – أمريكا. لكنّ التاريخَ الحضاريَّ العريقَ وقوةَ حضورِ المجتمعِ القديمِ في الشرقِ الأوسط (القبيلة، العشيرة، الجماعات المذهبية)، يفتحُ الطريقَ أمامَ استنادِ الهيمنةِ الغربيةِ المحورِ إلى أساسٍ هَشّ. وكونُ المنطقةِ حلقتَها الضعيفة، إنما يُعزى إلى هذا الواقع.

لتحديدِنا المجتمعَ الاقتصاديَّ على أنه تضادٌّ مع الرأسماليةِ نتائجُه الهامة.

١- ينبغي الاستيعابَ بأنّ التناقضَ يَدُورُ أساساً على أرضيةِ المجتمعِ الاقتصاديِّ – الرأسمالية، وليس بين الرأسماليةِ – الاشتراكية. فالمجتمعُ الاقتصاديُّ يتَّخِذُ من جميعِ القوى الاقتصاديةِ الاجتماعيةِ المتأثرةِ سلباً من التحالفِ الاحتكاريِّ أساساً له. وبينما يَتَّخِذُ الاقتصادُ الاشتراكيُّ من القوى الاقتصاديةِ للظروفِ العصريةِ أساساً، فإنّ المجتمعَ الاقتصاديَّ يَستوعبُ القوى الاقتصاديةَ التقليديةَ أيضاً. والأهمُّ من ذلك أنّ الاقتصادَ غيرَ المتحولِ إلى سوق، والطبيعيَّ، وغيرَ المتَبَضِّع، وذا قيمةِ الاستخدامِ الواسعةِ النطاقِ يندرجُ ضمن هذا الإطارِ أيضاً. ونخصُّ بالذكرِ كدحَ المرأةِ والطفلِ الواسعِ الانتشار، والذي غالباً ما يُنتجُ قيمةَ الاستخدام. أما قيامُ الموالين للاشتراكيةِ المشيدةِ باختزالِ الاقتصادِ إلى مستوى إنتاجِ السلعِ من أجلِ الرأسمالية، فهو موقفٌ ضيقٌ للغاية. في حين أنّ عكسَهم الاقتصادَ كنشاطٍ ممثلٍ رئيسيٍّ عن الرأسمالية، إنما هو أَفدَحُ خطأٍ ارتَكَبوه. إذ ما مِن خدمةٍ تُقَدَّمُ للرأسماليةِ أفضل من هذا. فقد تَكُونُ الرأسماليةُ ممثلاً رئيسياً من جهةِ تخريبِها وتدميرِها للاقتصاد، ولكن، محالٌ أنْ تَكُونَ عنصراً بَنّاءً فيه.

٢- كنا قد نَوَّهنا إلى أنّ تناقضَ البورجوازيةِ – البروليتاريا بوصفِهما موجوداتٍ اجتماعيةً ليس بتناقضٍ أساسيّ، بل ثانويّ. فالتناقضُ الاجتماعيُّ يكمنُ بين الاحتكاريين والمجتمعِ بأكملِه فيما عداهما. هذا التمييزُ هامٌّ على صعيدِ استيعابِ طبيعةِ النضالِ في سبيلِ المساواةِ والحريةِ والديمقراطيةِ الاجتماعية. وقد ظَهَرَ زيفُ الصراعِ بين البورجوازيةِ – البروليتاريا بمنتهى العلانيةِ مع تجربةِ الاشتراكيةِ المشيدةِ في غضونِ قرنٍ ونصف. ذلك أنّه لا يُمكِنُ للخَدَمِ (الطبقات المستَعبَدة) أنْ يَتَمَتَّعوا بالقدرةِ الأيديولوجيةِ – العمليةِ في تَخَطّي أسيادِهم في أيِّ وقتٍ من الأوقات. فهكذا مَهارةٌ مفقودةٌ لديهم على الصعيدِ الوجوديّ. ولا يُمكِنُهم التمتعُ بالمهارةِ والكفاءة، إلا عند رفضِهم الخدمة. وحينَها يستحيلُ اعتبارهم خَدَماً. ولأجلِ إدراكٍ سليمٍ للنضالاتِ الاجتماعيةِ في عهدِ الحداثة، فإنّ القيامَ بتمييزٍ صحيحٍ بين الأنسجةِ الاحتكاريةِ وكلِّ مَن هو خارجَ أولئك الخَدَم، ومن ثمَّ التخندقَ والمقاومةَ والشروعَ بعملياتِ البناءِ الاجتماعيِّ بناءً على ذلك؛ إنما يتسمُ بأهميةٍ مصيرية.

٣- بالمقدورِ إطلاق تسمياتٍ مختلفةٍ على المجتمعِ الجديدِ الذي سوف يُشادُ تجاه “المجتمعِ الرأسماليِّ” تأسيساً على التمييزَين المذكورَين أعلاه. المهمُّ هنا هو المضمون، لا الاسم. فكيفما بالمستطاعِ تسمية هذا المجتمعِ الجديدِ بالمجتمعِ الاشتراكيِّ الديمقراطيّ، فقد تَكُونُ تسميةُ المجتمعِ الديمقراطيِّ جيدةً أيضاً. بل وحتى بالوسعِ تسميته بالمجتمعِ الاقتصاديِّ من حيث معنى مناهَضةِ الرأسمالية. المهمُّ هو وجودُ اقتصادٍ وإنشاءٍ اجتماعيٍّ خارجَ هيمنةِ الاحتكارية. تعريفُ النشاطِ الاقتصاديِّ بالاقتصادِ السِّلَعِيِّ المتنامي ارتباطاً بالسوق، ربما يَكُونُ صحيحاً نسبياً. إذ ثمةَ اقتصادُ قِيَمِ الاستخدامِ الضخمُ إلى أقصاه، والذي لا يندرجُ في التصنيفِ السِّلَعِيّ. وهذا هو القِسمُ الواجبُ إدراكَه أصلاً من الاقتصادِ الاجتماعيّ. أما قيامُ الاقتصادِ السياسيِّ الرأسماليِّ (سنَفهمُ ماهيتَه الحقيقيةَ بنحوٍ أفضل، فيما لو نَظَرنا إلى مُنَظِّرِه) باختزالِ الاقتصادِ إلى النشاطاتِ التي تَدُرُّ الربحَ فحسب؛ فهو رياءٌ خُرافيٌّ يُحَرِّفُ ماهيةَ الاقتصادِ الحقيقية. أما تمييزاتٌ مِن قَبيلِ الاقتصادِ الرأسماليّ، الاقتصادِ القوميّ، اقتصادِ الدولة، الاقتصادِ التجاريِّ والماليِّ أو الصناعيّ، اقتصاد الزراعةِ أو المدينةِ أو القرية، والاقتصادِ العالميِّ؛ فلا تَعكِسُ الحقيقةَ كثيراً. كما أنّ التمييزَ بين الاقتصادِ الخاصِّ والعامِّ (أعتقد أن تسمية العام هنا أفضل من الجماعي) أيضاً زائفٌ ومُصطَنَع. أما القولُ بأنّ الاقتصادَ هو السوقُ وقيمةُ الاستخدام، فهو أدنى بكثير إلى التعريفِ السليم. فبينما كان الاقتصادُ الهادفُ إلى قيمةِ الاستخدامِ المعيارَ الوحيدَ الساريَ فيما قبلَ التاريخ، فإنّ الاقتصادَ الهادفَ إلى قيمةِ المقايضةِ في السوقِ يحظى بالرواجِ في السياقِ التاريخيِّ بالأغلب. أما تبضيعُ الحداثةِ الرأسماليةِ للغالبيةِ الساحقةِ من القِيَمِ الاجتماعية، فهو يَرمي إلى الاستغلالِ والربح، ويُعَدُّ ظاهرةً حديثةً ولكنها سرطانية. وتَشَتُّتُ المجتمعِ واتخاذُه حالةً فوضويةً ومتأزمةً باستمرار، إنما ينبعُ من هذا الواقع. لقد تَعَرَّفَ النوعُ البشريُّ على اقتصادٍ متمحورٍ حولَ قيمةِ الاستخدامِ فقط على مدارِ مئاتِ الآلافِ من السنين.

امتَلكَ مجتمعُ الشرقِ الأوسطِ فرصةَ ريادةِ كِلتا القيمَتَين الاقتصاديتَين فيما قبلَ التاريخِ وما بعدَه. لذا، فهو يُدركُ ما هو الاقتصاد. لكنَّ ما لاقى صعوبةً في فهمِه هو كَومةُ الكوارثِ التي أَبلاه بها مَصّاصُ الدماءِ المسمى بالرأسماليةِ تحت اسمِ الاقتصاد، والإباداتُ الاقتصاديةُ الحقيقية. فالحضورُ الرئيسيُّ للرأسماليةِ ليس شرطاً لا غنى عنه من أجلِ الحياةِ الاقتصادية، بل هو بلاءٌ وسرطانٌ مُسَلَّطَين عليها. وسيُفهَمُ هذا الواقعُ أفضل، بمجردِ تحليلِ النشاطاتِ التي تَقومُ بها في ميادينِ النفطِ والغازِ والماءِ والمواصلات، والتي تَهدفُ إلى الربحِ وتُدَمِّرُ البيئةَ وتَخنقُ المجتمعَ بالحروب. فضلاً عن أنّ تحويلَ ما يُناهِزُ نصفَ المجتمعِ إلى حشدٍ من العاطلين عن العملِ وبلا مِهنةِ وجوّالين مهاجرين وبدونِ عائلة، يُسَلِّطُ الضوءَ على مدى ضخامةِ الكارثةِ بشكلٍ أفضل.

إذن، والحالُ هذه، فمناهَضةُ الرأسماليةِ تقتضي أولاً مناهَضةَ الاحتكارية. وهذا ما يقتضي بدورِه المجتمعيةَ الديمقراطيةَ والاشتراكيةَ (من الأصحِّ فهم هذه الكلمةِ على أنها المجموعاتية) والمناديةَ بالمساواةِ والحرية. المقصودُ هنا ليس إعادةَ اختراعِ المجتمعِ تحت ظلِّ هذه الصفات. فالمجتمعاتُ موجودةٌ وقائمةٌ منذ آلافِ السنين باعتبارِها مجموعات (الأُسرة، القبيلة، المذهب، العشيرة، والأمة). ما يَلزَمُ هنا هو تكييفُ الدفاعِ عن هذه المجموعاتِ التي تَحيا ضمن ظروفِ الحداثةِ الرأسمالية، وأَقلَمَتُه مع ظروفِ العصرانيةِ الديمقراطية، بل وإعادةُ إنشائِه إنْ تَطَلَّبَ الأمر. فخَيارُ العصرانيةِ الديمقراطيةِ يحتوي بين طواياه على مجتمعِ المجموعاتِ الديمقراطيةِ المناهِضةِ للاحتكاريةِ والرأسمالية، وعلى المجتمعِ الاقتصاديِّ والمجتمعِ الاشتراكيِّ الديمقراطيّ. لِنُشِرْ ثانيةً إلى أنّ المُهِمَّ هنا هو وجودُها الجوهريّ، لا كَثرةَ الأسماء. وحَسمُ ذلك يُعَدُّ أَوَّلَ أَولَوِيّاتِ برنامجِ العصرانيةِ الديمقراطية. ومجتمعاتُ الشرقِ الأوسطِ ليست غريبةً عن هذا الموقف. موضوعُ الحديثِ هنا هو تقديمُ الطبيعةِ الاجتماعيةِ، التي تَحياها منذ آلافِ السنين، إليها في صياغةِ تعبيرٍ علميّ، ومشاهدتُها نفسَها في مرآةِ العِلم، وإدارتُها ذاتَها بإرادةِ الحياةِ الحرة.

 

يتبع….

التعليقات متوقفه