عبدالله اوجلان حول الاقتصاد -15

2

الفصل الخامس

الأزمات الاقتصادية في راهننا

بالتالي، بِماذا يُمكِنُنا بَرهنةَ عِداءِ النزعةِ الاحتكاريةِ تجاه المجتمعِ بشكلٍ ملفتٍ للنظر أكثر مما هي عليه هذه الحقائق؟

١- الصناعوية والأيكولوجيا.

لعبَت الأيكولوجيا دوراً مصيرياً في الكشفِ عن استحالةِ استمرارِ الصناعوية. فالأيكولوجيون هم مَن أَظهَرَ للعيانِ أخطاءَ ونواقصَ تحليلاتِ الاشتراكيةِ العلميةِ أو علمِ الاجتماعِ بصددِ الرأسماليةِ الصناعية. وأهمُّ نتيجةٍ ينبغي استنباطها من كونِ العلمِ الذي كَشَفَ بأفضلِ الأحوالِ عن استحالةِ استمرارِ الرأسماليةِ ينحَدِرُ من الحقلِ الأيكولوجيّ، إنما هي عدمُ تناغُمِ أو تَناسُبِ الرأسماليةِ مع الحياة. فلَئِن كان نظامٌ ما يُخرِجُ البيئةَ – أي وسطَ الحياةِ الذي لا غِنى عنه – من كَونِها قابلةً للاستمرارِ بها وتَحَمُّلِها؛ فمن الساطعِ جلياً استحالةُ الدفاعِ عن هذا النظامِ بأيةِ ذريعةٍ كانت. فالنظامُ الشمسيُّ برمته، وليس كوكبَنا الأرضيَّ فحسب، لن يَسَعَ الصناعويةَ في حالِ استمرارِها بِسُرعتِها الحالية. لَم يصبحْ النظامُ في عصرِ الرأسماليةِ الصناعيةِ بربرياً بالمعنى الحقيقيِّ فحسب، بل وباتَ عزرائيلَ الحياةِ الحقيقيّ. ذلك أنّ أيةَ قيمةٍ اجتماعيةٍ لَم تَستطعْ الخلاصَ من التصنيع. فتصنيعُ ثلاثيِّ الفنِّ والرياضةِ والجنسِ الشهير، يَدُلُّ على نَفاذِ المجتمعِ أخلاقاً ووجداناً. وإطراءُ التحوُّلِ الصناعيِّ والدولتيِّ القوميِّ والرأسماليِّ على كافةِ ميادينِ المجتمعِ باعتبارِه ثقافةً ماديةً ومعنوية، واصطِدامُ هذا التحوُّلِ بالجدارِ الأيكولوجيّ، إنما هو نداءٌ للحياةِ بذاتِها، وليس للمجتمع الحرِّ والديمقراطيِّ فقط.

واضحٌ أنّ قضيةَ الصناعويةِ جزءٌ مِن القضيةِ الأيكولوجيةِ وعِلَّةٌ أساسيةٌ لها في الوقتِ نفسه. لذا، فتفسيرُها ضمن بَندٍ مختلفٍ قد يعني التكرار. إلا أنّ الأيكولوجيا موضوعٌ أكثر معنىً من الصناعوية، وموضوعٌ اجتماعيٌّ إشكاليّ. ورغمَ تَضَمُّنِه معنى علمِ البيئةِ مِن حيث الاصطلاح، إلا أنه أساساً علمُ تحليلِ العلاقةِ المتينةِ بين التطورِ الاجتماعيِّ وبيئته. وعندما دَقَّت قضايا البيئةِ نواقيسَ خطرِ الكارثة، صارَ حديثَ الساعةِ بالأغلب، وصُيِّرَ حقلاً منفصلاً مِن البحث، وإنْ اشتَمَلَ ذلك على معانيَ مُريبة. ذلك أنها – كما الصناعوية – قضيةٌ لَم يَبتَكِرها المجتمع، بل هي آخِرُ ابتكاراتِ احتكاراتِ المدنية، وهكذا دَخَلَت أجندةَ التاريخِ والعالَمِ والمجتمعِ كقضيةٍ هي الأشمل على الإطلاق.

لَرُبما لَم تتميزْ أيةُ قضيةٍ بالأهميةِ والشأنِ اللذَين يُخَوِّلانها لِبَسطِ الوجهِ الباطنيِّ الحقيقيِّ لأنظمةِ رأسِ المال – الربح (الشبكات المُنَظَّمة) على أَجَندَةِ البشريةِ جمعاء، مثلما القضايا الأيكولوجية. ذلك أنّ إحصائيةَ نظامِ مدنيةِ رأسِ المال والربح (بِوَصفِها مجموعَ كافةِ الاحتكارات العسكرية والاقتصادية والتجارية والدينية البارزة على مر التاريخ) لَم تقتصرْ فقط على تَفكيكِ وبَعثَرَةِ المجتمعٍ مِن جميعِ النواحي (اللاأخلاق، اللاسياسة، البطالة، التضخم المالي والدعارة وغيرها)، بل وبَلَغَت حدَّ تهديدِ البيئةِ وحياةِ كل ما فيها من كائناتٍ حية. بالتالي، بِماذا يُمكِنُنا بَرهنةَ عِداءِ النزعةِ الاحتكاريةِ تجاه المجتمعِ بشكلٍ ملفتٍ للنظر أكثر مما هي عليه هذه الحقائق؟

المجتمعُ البشريُّ أيضاً كيانٌ حيٌّ في آخِرِ التحليل، مهما تمَّ تعريفُه بالطبيعةِ المتحليةِ بأعلى مستوَيَاتِ الذكاءِ والمرونة نِسبةً لجميعِ الكائناتِ الحيةِ الأخرى. إنه دُنيَوِيّ. وهو ثمرةُ مناخٍ جويٍّ مُنَسَّقٍ ومنتَظَمٍ بحساسيةٍ بالغة، وثمرةُ التطورِ الطبيعيِّ لِعالَمِ النباتِ والحيوان. والمنظوماتُ التي يتعلقُ عليها وجودُ هواءِ ومناخِ عالَمِنا وعالَمِ النبات والحيوان، إنما تَسري على المجتمعِ البشريِّ أيضاً، كونَه إجماليَّ مجموعِها. هذه المنظوماتُ حساسةٌ للغاية ومترابطةٌ ببعضها بمتانةٍ بالغة، وكأنها تُؤَلِّف سلسلة. فكيفما تَفقُدُ السلسلةُ وظيفتَها بمجردِ انقطاعِ حلقةٍ منها، كذلك لا مفرَّ مِن تَأَثُّرِ سياقِ التطورِ الطبيعيِّ برمته، إذ ما انقَطَعَت حلقةٌ هامةٌ من سلسلةِ تَطَوُّرِه. والأيكولوجيا هي عِلمُ هذه التطورات. لذا، فهي مُهِمَّةٌ للغاية. وإذا ما اختَلَّ أيٌّ من المنظوماتِ الداخليةِ للمجتمعِ لأيِّ سببٍ كان، يُمكِنُ إعادةَ ترتيبها بِيَد الإنسان. ذلك أنّ الواقعَ الاجتماعيَّ مُشَيَّدٌ بِيَدِ الإنسانِ في نهايةِ المطاف. لكنّ البيئةَ ليست كذلك. من هنا، إذا ما حَصَلَت انقطاعاتٌ جديةٌ مِن الحلقاتِ البيئيةِ بسببِ مهارةِ بعضِ المجموعاتِ التي تنبعُ مِن المجتمع، أو بالأحرى تَخرجُ على المجتمعِ لِتُنَظِّمَ أمورَها فوقه برأسِ المالِ والربح؛ فقد يَترُكُ تَسَلسُلُ الكوارثِ الطبيعيةِ كلَّ البيئةِ ومعها المجتمع وجهاً لوجهٍ أمام القيامة بِحَدِّ ذاتها.

ينبغي عدمَ النسيان أنّ الحلقاتِ البيئيةَ تَكَوَّنَت مع التطورِ الطبيعيِّ لملايين السنين. والأضرارُ الناجمةُ عن الخمسةِ آلاف سنة الأخيرةِ عموماً، وعن المائتَي سنةٍ الأخيرة بشكلٍ خاص، قد حَقَّقَت اقتطاعَ آلافِ الحلقاتِ مِن سلسلةِ التطورِ الطبيعيِّ لملايين السنين خلالَ هذه الشريحةِ الزمنية، التي تُعتَبَر أقصر منها بكثير. وتداعياتُ الانكسارِ قد بَدَأَت، بحيث يَسودُ العجزُ حول كيفيةِ إيقافها. كما يُتَوَقَّعُ وفقَ الوضعِ القائمِ استحالةَ إزالةِ التلوثِ الناجمِ عن الغازاتِ المنتشرةِ في الغلافِ الجوي، وعلى رأسها نِسبةُ غازِ ثاني أوكسيد الكربون CO2، حتى خلالَ مئاتِ بل آلافِ السنين المقبلة. هذا وربما لَم تَظهرْ للعيانِ بَعدْ محصلةُ الدمارِ الحاصلِ في عالَمِ النباتِ والحيوان بكلِّ معنى الكلمة. ولكن، يتضحُ بجلاء أنه يُرسِلُ إشاراتِ الإنذارِ بقدرِ الغلافِ الجويِّ على الأقل. ذلك أنّ تَلَوُّثَ البحارِ والأنهر، وكذلك التَّصَحُّرُ الموجود، قد بَلغَ حدوداً كارثيةً منذ الآن. كلُّ المؤشراتِ تدلُّ بموجبِ السياقِ القائمِ على أنّ يومَ القيامةِ سيُفرَضُ على المجتمع بِيَدِ المجموعاتِ المنتَظِمةِ على شكلِ قسمٍ من الشبكات، وليس نتيجةَ اختلالِ التوازنِ الطبيعي. وبكلِّ تأكيد، سيَكُونُ للطبيعةِ ردودُها على هذا السياق، لأنها – هي أيضاً – حيويةٌ وذكية. ولِقُدرةِ تَحَمُّلِها حدود. ستُبدي مقاومتَها في الزمانِ والمكانِ المناسبَين، بحيث لن تَكترثَ بدموعِ البشرِ حينما يَحينُ الزمانُ والمكان. فجميعُهم سيَكُونون مسؤولين عن خيانتِهم لمهاراتِهم وللقِيَم الموهوبةِ لهم. أَوَلَم يُنظَرْ هكذا سلفاً إلى يومِ القيامة؟

لا أَهدِفُ هنا إلى إضافةِ جديدٍ على سيناريوهاتِ الفواجعِ الموجودة. بل، وكأيِّ عضوٍ ينبغي أنْ يَكُونَ مسؤولاً في المجتمعِ بكلِّ تأكيد، أسعى لقولِ وعملِ اللازمِ وفق مهاراتنا؛ وذلك بالتحلي بالمسؤوليةِ اللازمة، وانطلاقاً مِن مفهومنا حيالَ الواجباتِ الأخلاقيةِ والسياسيةِ التي هي عِلَّةُ وجودنا.

يتمُّ سردُ الكثيرِ في تاريخِ البشريةِ عن عاقبةِ النماردةِ والفراعنةِ المنزوين في قِلاعهم وأهراماتهم. السببُ واضح. فمهما يَكُن، كان كلُّ واحدٍ من النماردةِ والفراعنة احتكاراً مشحوناً بمزاعمَ إلهية، شخصاً كان أم نظاماً. أجل، كانوا أعظمَ أمثلةِ احتكاراتِ رأسِ المالِ الراكضةِ دوماً وراءَ الربحِ في العصورِ القديمة. لَكَم هم شَبيهون بالاحتكاراتِ المنزويةِ في ساحاتِ المدنِ الراهنة! بالطبع، ثمة فوارق مِن حيث الشكل، وإنْ لَم تَكُن مِن حيث المضمون. إذ لا تستطيعُ القِلاعُ والأهراماتُ مُنافَسَةَ الساحاتِ الحالية، رغمَ كلِّ عَظَمَتِها وبهائها. علماً أنه لا يُمكِنُها مُنافَسَتَها مِن حيث التعدادِ أيضاً. فتعدادُ إجماليِّ الفراعنةِ والنماردة – إذا ما جَمعناهم – لا يتعدى عدةَ مئات. بينما عددُ الفراعنةِ والنماردةِ المعاصرين يناهزُ مئاتِ الآلافِ منذ الآن على ما يَبدو. لَم تَتَحَمَّلْ البشريةُ ثِقَلَ بضعةٍ من النماردةِ والفراعنة في العصورِ القديمة، فراحت تَئِنُّ تحت وطأتهم. حسناً، إلى متى ستُعاني مِن ثِقَلِ مئاتِ الآلاف منهم، وهم الذين يُعَرِّضون كلَّ البيئةِ والمجتمعِ للتَّفَسُّخِ والتشرذم؟ وكيف لها تَهدئةَ رَوعِها وإيقافَ آلامها ومخاضاتها النابعةِ مِن كلِّ هذا القدرِ مِن الحروبِ والبطالةِ والمجاعة والبؤسِ الذي تَسَبَّبوا به؟

لقد أَردنا التطرقَ إلى هذه الحقائقِ على هُدى التطورِ الطبيعي، عندما قُلنا أنّ المجتمعَ التاريخيَّ كلٌّ متكامل. فهل هي حقائق قليلةُ التأثيرِ أو بلا أهمية؟

وَثِقَ عِلمُ الحداثةِ الرأسماليةِ مِن نفسِه كثيراً اعتماداً على بُنيته الوضعية. واعتقَدَ أنّ اكتشافاتِه الظواهريةَ الكبرى هي كلُّ شيء. واعتَبَرَ الحقيقةَ المطلقةَ مجرَّدَ معلوماتٍ سطحيةٍ بشأنِ الظواهر. كان واثقاً من الولوجِ في مرحلةِ التقدمِ اللامتناهي. ولكن، كيف يُمكِنُ تفسيرَ عدمِ تَوَقُّعِه للكوارثِ البيئيةِ الكامنةِ نُصبَ عينَيه؟ كيف يُمكِنُ تفسيرَ عدمِ إيجادِه أو تطبيقِه الحلولَ الجذريةَ بصددِ كافةِ الكوارثِ الاجتماعيةِ في القرون الأربعةِ الأخيرة، والتي تُضاهي إجماليها في التاريخِ بأكمله، وعلى رأسها الحروب؟ دعكَ جانباً مِن سَدِّه الطريقَ أمام الحروبِ المتسللةِ إلى كلِّ مساماتِ المجتمعِ في هيئةِ السلطة، فماذا سيَقُولُ عن عدمِ تشخيصِه السليمِ لهذه الحقيقة؟ واضحٌ جلياً – وعلى عكس ما يُعتَقَد – أنّه ما كان للعِلمِ في عصرِ الهيمنةِ العظمى لسيطرةِ الاحتكارِ أنْ يَجِدَ جواباً لهذه التساؤلاتِ بِبُنيَتِه المُطَوَّقةِ أيديولوجياً بأعلى الدرجات، والمتأقلمةِ مع خدمةِ النظامِ القائمِ بأفضل الأشكال. فالعلمُ المنتَظَمُ والمُعلَنُ على أنه بِبُنيتِه وأهدافِه ونمطِه يَهدِفُ إلى شرعنةِ النظام، قد أَثبَتَ عَجزَه عن التأثيرِ حتى بقدرِ الأديان. ولكن، من الضروريِّ بمكان الاستيعابَ أنه ما مِن علمٍ ليس أيديولوجياً. المهمُّ هنا هو إدراكُ كَونِه يُمَثِّلُ أيديولوجيةَ أيٍّ مِن المجتمعاتِ أو الطبقاتِ كعِلمٍ ومعرفة، وتحديدُ موقعِه بموجب ذلك. قد يصبحُ علمُ الأيكولوجيا قوةَ الحلِّ المُثلى للطبيعةِ الاجتماعيةِ برمتها، وليس للبيئةِ فحسب؛ فيما إذا حَدَّدَ موقعَه ضمن هذا الإطارِ كأحدِ أحدَثِ العلوم.

 

٢- الصناعوية والدولة- القومية.

رغمَ تكراري الدائم، إلا أنه عليَّ التبيان مجدَّداً بأنّ العلاقةَ بين الصناعويةِ والدولةِ القوميةِ علاقةٌ وجودية. والقرنُ التاسعُ عشر هو المرحلةُ التي وصَلَت فيه كِلتا الظاهرتَين أَوجَها. فبقدرِ ما تقتضي الصناعويةُ الدولةَ القومية، فالدولةُ القوميةُ أيضاً تقتضي الصناعويةَ بالمِثل. وجميعُ القضايا الاجتماعيةِ التي بَسَطتُها على شكلِ عشرةِ عناوين، إنما تُصَيِّرُها الدولةُ القوميةُ ساريةً على المجتمعِ الصناعويِّ أيضاً. ليس عدمُ قيامِ الماركسيةِ بتحليلِ الصناعويةِ والدولةِ القوميةِ بشكلٍ متداخل فحسب، بل ورؤيتُها إياهما ظاهرةً إيجابيةً باسمِ التقدمية؛ إنما يُبَيِّنُ أسبابَ انهيارِ اشتراكيةِ السوفييتاتِ منذ قرنٍ ونصف. والعالَمُ الأكاديميُّ قاصرٌ عن إدراكِ الحقيقةِ في هذا المنحى، بسببِ تَرعرُعِه في مَشتَلِ المدينةِ وصناعويتِها، بل ونشوئِه هناك. فهو لا يستطيعُ حتى تَخَيُّلَ عالَمٍ بلا دولةٍ قوميةٍ أو لا يَسري فيه دينُ الصناعوية. لكنّ الأعضاءَ الأيكولوجيين شَرَعوا برؤيةِ الحقيقةِ، ولو بحدود، على الرغمِ من أصولِهم الطبقيةِ المُبَيَّنة أعلاه. من هنا، فمن الواقعيةِ أكثر تقييمُ الدولةِ القوميةِ والصناعويةِ كهجومٍ أيديولوجيِّ واقتصاديٍّ وعسكريٍّ شاملٍ مشتركٍ ومتداخل. ساطعٌ تماماً أنّ السياساتِ النقابيةَ والحزبيةَ بمعناها الضيقِ بقيت بلا جدوى أو معنى مقابل هذا الواقع. ما يَلزَمُ هنا هو الدفاعُ الذاتيُّ عن المجتمعِ والبيئة، مثلما ذُكِرَ آنفاً.

٣- الصناعوية والفاشية:

الدولةُ القوميةُ ثمرةٌ من ثمارِ شروطِ الفاشيةِ والصناعوية، وذلك بوصفِها نظامَ حرب. لا مفرَّ من تكاثُفِ الحربِ الداخليةِ في العصرِ الصناعيِّ الذي تَستَولي فيه الرأسماليةُ على أعلى درجاتِ الربحِ في تاريخِها. ذلك أنه يستحيلُ تحقيقُ الربحِ الأعظميِّ ورأسِ المال، دون شنِّ الحربِ ضد المجتمع. ودولةُ العصرِ الصناعيِّ القوميةُ مُرغَمةٌ على تنظيمِ ذاتِها كنظامِ حربٍ داخلية، بِحُكمِ قانونِ الربحِ الأعظميِّ هذا. تَغَلغُلُ السلطةِ في كافةِ المساماتِ الاجتماعيةِ تحت ظلِّ الدولةِ القوميةِ يُعَبِّرُ عن أكثرِ حالاتِ الحربِ الداخليةِ تعميماً. وهذا هو إطارُ تعريفِ الفاشيةِ أيضاً. وعلى نفسِ المنوال، فَكَونُ القومويةُ المتطرفةُ أيديولوجيةً للفاشية، إنما هو مرتبطٌ بطبيعةِ الحربِ الداخلية.

عَولَمةُ الحربِ في عصرِ الصناعويةِ قد أَثبَتَ نفسَه جيداً في الحربَين العالميتَين. أي أنّ الحربَ الداخليةَ تَكتَمِلُ مع الحربِ الخارجية. أما نُشوبُ أعتى وأشدِّ الحروبِ الداخليةِ والخارجيةِ تاريخياً في غضونِ القرنَين الأخيرَين من عصرِ الصناعوية، وأداءُ القومويةِ وظيفتَها كدينٍ رسميّ؛ فبالمقدورِ إيضاحه بالعلاقةِ بين الفاشيةِ ورأسِ المالِ الصناعيّ. وما التطهيرُ العرقيُّ سوى محصلةٌ لشموليةِ الحروبِ الناشبةِ في تلك المرحلة (شمولها المجتمعَ بأكمله). من هنا، فالقضيةُ الاجتماعيةُ الأساسيةُ تجاه فاشيةِ الدولةِ القوميةِ باعتبارِها حالةَ الحربِ لعصرِ الصناعوية، هي تطويرُ جبهةِ الدفاعِ الذاتيّ للطبقاتِ – الشعوب – الأممِ المسحوقة.

٤- الصناعوية، المرأة والأسرة:

ثاني أهمِّ مؤسسةٍ اجتماعيةٍ متبعثرةٍ بَعدَ مجتمعِ الزراعةِ – القريةِ في عصرِ الرأسماليةِ الصناعية، هي الأسرةُ والمرأة. كما أنّ الأسرةَ والمرأةَ موضوعٌ هامٌّ حَجَبَته السوسيولوجيا الغربية، حيث تتجنبُ إيضاحَ أسبابِ وكيفيةِ تعريضِ العائلةِ للدمار. قد يُوَضَّحُ هذا الواقعُ ارتباطاً بعدمِ حقِّ العبيدِ في تكوينِ أسرةٍ في العصورِ الأولى. فالشروطُ الماديةُ لمؤسسةِ العائلة، التي باتت تقليديةً في مجتمعِ المدنية، قد زالت من الوجودِ بنسبةٍ كبرى مقابلَ البطالةِ والحرمانِ المتزايدَين. هذا ولا يَبقى أيُّ معنى اجتماعيٍّ للأسرة. وبينما يُبتَرُ الفردُ من المجتمع، فإنّ حصةَ المرأةِ في هذا الشأنِ هي الرميُ بها في الشارع، والاستسلامُ للرجلِ الحاكمِ الذي يَفرضُ عليها رغماً عن إرادتِها ظروفاً شاذةً عن طبيعتها بمنوالٍ متعجرفٍ وجائرٍ للغاية. أي أنّ عبوديةَ المرأةِ لَم تَنَل الحريةَ في هذا العصر، كما يُرَوَّجُ له. فعبوديةُ المرأةِ في الرأسماليةِ هي عبوديةٌ سُوقيةٌ مُجَذَّرةٌ لدرجةٍ لَم تَبقَ فيها خليةٌ واحدةٌ من المرأةِ إلا وبُضِّعَت. ويُسَلَّطُ أهمُّ عناصرِ الأزماتِ المُعاشةِ في عصرِ الصناعويةِ على العائلةِ والمرأة. ليس على شاكلةِ حالاتِ الطلاقِ الجمّةِ وزيادةِ أطفالِ الشوارعِ فحسب، بل والجنسانيةُ الاجتماعيةُ التي لا تَعرفُ حدوداً في السلطويةِ والاستغلالية، إنما تَعكِسُ مدى عُمقِ هذه الأزمةِ والانهيار. من هنا، فقضيةُ الأسرةِ والمرأةِ في المجتمعِ وحَلُّها يُشيران إلى الحاجةِ الماسّةِ لجهودٍ عظيمةٍ نظرياً وعملياً، بوصفِهما أهمَّ عناصرِ الحياةِ الحرة.

٥- الصناعوية، العلم والإعلام.

لَم تقترب العلومُ الأخرى من تحليلِ الصناعويةِ التي سقطَ قناعُها على يدِ الأيكولوجيا. ولِكَونِ العلمِ مُرفَقاً بالنظامِ القائمِ نصيبُه المُعَيِّنُ في ذلك. وبِحُكمِ مَقولةِ “الكلبُ لا يَعضُّ صاحبَه”، فالعِلمُ والعالَمُ الأكاديميُّ لا يَدنوان من عضِّ أسيادهما. وحتى لو نَبَحوا تجاههم بين الحينِ والآخر، إلا أنهم يَسكُنون فوراً لدى رميِ قطعةِ لحمٍ أمامهم، مواظِبين على خدمتهم. إني مُصِرٌّ على أنّه ثمة شرعنةٌ للنظامِ الرأسماليِّ بـ”العلموية”، كما في الشرعنةِ الميثولوجيةِ لنظامِ الطغيانِ والاستغلالِ على يدِ كَهَنةِ سومر ومصر بأقلِّ تقدير. فبينما يُعِدُّ العلمُ والعالَمُ الأكاديميُّ مُبَرراتِ ما يُسمى بالشرعنةِ النظرية، يَقومُ العالَمُ الإعلاميُّ أساساً بالترويجِ لها. وقيامُ نظامٍ انكَشَفَ عدمُ تناغُمِه وتناسُقِه مع المجتمعِ والحياةِ بتطويرِ الوسائلِ الإعلاميةِ العصريةِ أمرٌ مفهوم. الأمرُ لا يَقتَصِرُ على الوسائلِ الإعلاميةِ فقط، بل ويتمُّ إكمالُ وإلحاقُ عالَمِ الاستعراضِ والتظاهرِ بأجمعه، وصناعةِ الفنِّ والرياضةِ والجنسِ أيضاً بالأطروحاتِ العلميةِ المُحَرَّفة؛ فيُعَرَّضُ دماغُ وقلبُ البشريةِ بأكملِها للقصفِ لحظةً بلحظة. ذلك أنه من المحالِ الاستمرارُ بالنظامِ عبرَ أجهزةِ العنفِ المحض فحسب، دون وجودِ هذا القصف.

تَستقي الهيمنةُ الرأسماليةُ قوتَها الأساسيةَ من هيمنتِها الأيديولوجية. وما العلمُ المُلحَقُ بالدولةِ القوميةِ والسلطة، والوسائلُ الإعلاميةُ المُصَنَّعةُ سوى سلاحان أوليان لهذه الهيمنة. من هنا، فخلاصُ المجتمعِ يقتضي القيامَ بالثورةِ في هذَين الميدانَين أولاً.

 

 

 

يتبع…….

التعليقات متوقفه